متى تقفزُ ضفادعُنا؟
سنة النشر : 29/03/2010
الصحيفة : الاقتصادية
هل سبب عدم خروجنا من المشاكل التي تكتنف حياتنا كأفراد، وكمسئولين، ومكلفين أننا لا ندفع أنفسَنا للطفو فوق سطحها لنتمكن من الإلمام بكامل بيئتها، ليسهل تشخيص المشاكل، ثم تحديد الحلول؟ سقراط، الذي يُعتبر أبو الفلاسفة قبل خمسةٍ وعشرين قرنا، قال رأياً غريباً حتى إن بعض الفلاسفة العلميين يراها بمرتبةِ النبوءة.
أما هذا الرأي الذي كان يردده سقراط على تلاميذه: «إننا نحن سكان الأرض إنما نعيش كالضفادع في قاع بركة، فالضفادع لن تعلم شيئا عن طبيعة البيئة حولها إلا إن صعدَت فوق قاع البركة وعلت إلى السطح، وإن مَن يستطيع من الناس أن يعلو فوق الهواء فهو وحده الذي سيعرف الأرضَ على حقيقتها».
إنه بالفعل تصور لا يخرج إلا من عبقريةٍ فذة، وخيال ذكي فوق الحدود. ولما اختـُرعت الأقمار الصناعية، وصعد الإنسانُ فوق الهواء، فوق طبقات الجو الأرضي، فإن الأرضَ أعيد اكتشافها من جديد كاملة، لأن الإنسان تمكن أن يراها بالكامل والبيئة المحيطة بها، ورأى بعض العلماءُ الفلاسفة أن ما بشر به سقراط كانت نبوءةً كاشفة .. لأنه، أخيرا، قفزت الضفادعُ البشرية من قاع البركة الأرضية! الذي يهمنا اليوم موضوعٌ على قدّ حالنا .. لا نريد أن نصعد فوق الأرض، ولكن أن نعمد إلى الصعود فوق إسار إجرائنا الرتيب اليومي والمكتبي والبيروقراطي وحتى الأسُرَي والبرنامج اليومي الذي هو مثل قاع البركة فيحدّ من الرؤية، ويضيق المسارَ، ويمنع فرص الابتكار.
كثير من مشاكلنا في الصحة، وفي الخِطط الحضَرية، وفي الخدمات الإنسانية، وفي الركائز المدنية الأساسية، لا تسير كما نحب جميعا أن تسير، ليس لأن الفردَ، موظفا، ومسئولاً، أو مأمورا لا يريد أن يتحرى المشاكلَ ويبحث عن الحلول، ولكن لأن بيئة الموظف والمسئول والمأمور محصورة جدا في ديوان المكاتب وبين أوراقه ومعاملاته،
ويجري بالمسطرة سطرا وراء سطر مع التعاميم والنشرات، وأوامر تأتيه من فوق، فينسى أن هناك سطحاً فوق قاع البركة، فيكون قاع البركة من الروتين ونص الكلمات، وانتظار الأوامر، هي عالمهُ وينشغل بها فتشغله عن الهدف، ولن يمكنه أن يحل مشكلة واحدة لأي من الناس الذين يجب أن يخدمهم، أو الأهداف التي يجب أن ينفذها .. لأنه محصور جدا، ولا يرى حاجة الناس الحقيقية في الواقع وفي كل يوم. وبعد أن ينهي يومَه الوظيفي يعتقد أنه أنجز عمله كما يرام لأنه أنهى كل المعاملات على مكتبه، ولم تبقَ ورقةٌ واحدة تؤرقُ سطحَ المكتب عن اللمعان .. ولكن، حقيقةً، ماذا عمل ذاك الموظفُ، أو ذاك المسؤولُ؟ الحقيقة .. لم يفعل شيئا، إلا زيادةَ في ملوثات البيئة من الورق .. أنهى عمل يومٍ إجرائيا وروتينياً وورقياً.. وبقي الأهم لم يفعله: «الإنتاج العملي الواقعي المفيد».
أي أنه لم يقفز من قاع البركة .. ولم يحاول. ثم يتعجب كيف يتعبُ وينكَبّ على إنهاء كل معاملاته ثم يجد أن الناسَ يشكون ويلومون! ويبقى المدرس ومدير المدرسة مشغولين بكل المواضيع من طابور الصباح، إلى أضابير التحضير، وتحضير المقصف المدرسي، وإلقاء الدروس، وسن القوانين وتطبيقها .. إلا أنهم ينسون أن التلميذَ لم ينبت هكذا تلميذا، وإنما عنصرٌ من مجتمع خارج المدرسة وأن أداءه موصول حتما بما يقع له خارج المدرسة، والمدرسة مقطوعة مما يدور بالخارج في كل مجال مما يؤثر حتما داخل المدرسة، يؤثر في الإدارة وفي المدرس والتلميذ، فتمضي الحركة التعليمية بطيئة زاحفة كسلحفاة معمّرة .. لأن أحدا في مدرسة لم يقفز من قاع بركَةِ رتابتها اليومية إلى سطح آلية الحياة وإيقاعاتها.
والأب، ورجل الأمن، والأم، والطبيب، كل أخطائنا أننا نتعامل فيما يقع عليه نظرنا الحصير، ويمس مشاعرنا الضيقة .. فإن شبعنا فمعناه أن المجتمعَ شبع، وتصدرُ أحكامُنا وآرؤنا وقراراتُنا على الجياع من بطون متخمةٍ، لأننا لم نقفز من قاع التخمة إلى سطح الجوع، وإن دخل ابننا الجامعة فنقول توافرت الجامعات ولا تقصير، وكأن كل أبناء الناس دخلوا، لأننا لم نقفز من قاع الترتيب المسبق والمداخل المعروفة إلى سطح من يدور بجهد السنين فلا يجد إلا .. ولا شيء.
وإن رأى مديرُ المستشفى مخزن المستشفى وبه كراتين دواء فيعتقد أنه الدواءَ لدى الجميع، ولا يقفز من قاع المستودع إلى سطح الحاجات العريضة الماسّة لآلاف الناس للدواء. والطبيب لا يصبر للسؤال عن حياة المريض العامة ليتحرى تشخيصا كاملا، لأنه لا يقفز خارج قاع حيّز السنتمترات التي تفصلهما عن بعضهما إلى سطح حياة المريض.. عندما نصر ألا نقفز فوق السطح فلن ينحلّ شيءٌ من إِسارِه، ولن تتسارع عجلة التطوير .. ولن يعم العدلُ، ولن تكون المساواة، ولن تُحَل المشاكلُ الكبرى، لا، ولا الصغرى .. لأن أحدا لم يقفز من قاع البركة. متى تقفز ضفادعنا من قاع البركة؟.. فملايين الضفادع سبقتنا، ومن زمانٍ .. قفزتْ!