محمد بلا تاريخ ميلاد!

سنة النشر : 03/04/2010 الصحيفة : الاقتصادية

 
لما وقف الخطيبُ الأنيقُ الصديق عبد اللطيف الحارثي، وراء الميكرفون مستهِلاًّ فقرات مؤتمر «التوستماستر»، حقق لي واحدةً من أعزّ الأماني التي تمنيتها من هذه الأندية.
 
في مؤتمر «التوستماستر» الذي أقيم يومي الخميس والجمعة الفائتين تحقق لي معظم ما تمنيته من هذه الأندية، وعلمني هذا المؤتمرُ بالقائمين عليه، والمنتمين له، وبالجمهور الذي يحرص على حضور فعالياته،
 
أنّ الأماني تتحقق، وأن كل من يقول لنا إننا لن ننجز ولن نتفوق وإن الأنظمة وإن البيروقراطية ستمنعنا من التقدم وتحقيق الأماني محضُ خرافةٍ اخترعناها فصدقناها، عفريتٌ صنعناه بأنفسنا ورحنا نخوّف أنفسَنا به.. تعلمتُ من منتمي ومشاركي ومنظمي فعاليات «التوستماستر» أن الأماني تتحقق، إن أخلصنا لأمانينا، إن آمنا أن هناك عقبات كأداء، ولكن عقولنا وهممنا إنما وضِعَتْ مع خلـْقِنا الأول لكي تجتاز هذه العقبات، والنواحُ على وجودها، لن يزحزحها شعرةً واحدة.
 
لما شاهدتُ «التوستماستر» أول مرةٍ، كان كل المشاركين من الأجانب، ولا عربي واحد.. تمنيت حينها أن يشارك السعوديات والسعوديون في فعالياتِ الخطابة، خصوصا أنها ليست فقط من أجل مهارات الخطابة، ولكن هناك منتجات رئيسة تأتي مع الصفقة الواحدة، كالالتزام المنضبط بالوقت، فلا يتعدى الخطيبُ ثانية واحدة من وقته المتاح، والالتزام بوقت البرنامج فلا يتزحزح لأن فلاناً سيأتي بالطريق، ويتعلم الناسُ غير مهارة الكلام، مهارة الإصغاء، وهي من أعظم المهارات، فلو ألقيتَ دبوساً في قاعة الكريستال بالخبر يوم أمس والذي قبله والتي كان بها أكثر من ألف شخص من كل الفئات والأعمار والمشارب والأذواق والمهن، لسمعت رنين الدبوس معكرا صفوَ الإصغاء العام.. في المناسبة السنوية التي تلـَتْ، رأيتُ سعوديين وسعوديات وعربا يتألقون على منصةِ الخطابة بأنواعها.. فتحققت أمنيتي الأولى، وتمنيت أن يشارك أو أن يحضر مسؤولو الإعلام والتدريب والتعليم للمناسبة.
 
ثم تمنيت أن يفوز مشاركونا السعوديون والسعوديات بالرتب المتقدمة فتحقق ذلك قويا في الفعالية السنوية التي تلتها وتحققت أمنيتي الثانية، وطالبت مسئولي الإعلام والتعليم بالمشاركة والحضور. ثم تمنيتُ أن يشارك كل السعوديين بمختلف فئاتهم ويكتسحوا الأعداد، ففي مناسبةٍ قام شابٌ ملتح وأخرج الجمهور(من العرب والأجانب) من طورهم من فرط الإضحاك العبقري، وقفزوا إلى المنصة يحييّونه، وسمعت بأذني في «الجبيل» من قال لو أن هذا الإسلام بهذه الروح الجميلة لأسلمت, وأسلم بالفعل وغير اسمَه باسم ذاك الخطيب.. فتحققت أمنيتي الثالثة تباعا، وطالبت مسؤولي الإعلام والتعليم بالمشاركة في الحضور.
 
ثم إني طمعتُ فتمنيت خُطباً باللغة العربية، هذه اللغة التي يؤمن كتابٌ عن أدب اللغات (أجنبي) بأنها أروع اللغات خطاً وتعبيراً ولفظاً وديناميكية، وهنا فاجأني حبيبنا «عبد اللطيف الحارثي» ذو البسمة التفاؤلية التي تعديك أول ما تراه، وهو يقول: «والآن سأنتقل من الإنجليزية إلى العربية، مستهلين هذه الفعالية بالبدء بمسابقة الخطابة باللغة العربية، مع لجنة تحكيم وقضاة..»، وكدتُ أتركُ كرسيي وأقفز على الحارثي، لولا أني تذكرتُ حكاية الدبوس.. ووقار القاعة.
 
فبدأ المحلّق باللغتين «محمد العيسى»، واضحك والناس بخمس دقائق متحدثا عن تاريخ ميلاده، وأنه لم يُسَجَّل له عيدُ ميلادٍ معروف، فاختـُرِعَ له تاريخٌ في الهوية، وكيف أنه يغار من أصحاب حفلات يوم الميلاد، ثم أثـّر بنا وهو يستعيد: هل أسعدَ أعز الناس لديه أم لا؟»، وجاء الشاب «عبد الله بوزارع» بعنوان «مبروك جاءك ولد» وتكلم عن كيف يتصرف العقل وتتجاوب الإرادة لما يأتيك خبران متناقضان في آن.. جاءه ولدٌ، ومات أبو أم الولد في الوقت ذاته. وأبدع الشابُ عبد الله الخالدي في التأسي حول حبيبته التي يخاف أن تضيع وعرفنا أن حبيبته اللغة العربية، والشاب «سلمان بن مالك» بعنوان «عملي أخذ عائلتي» أخبرنا كيف أن الالتهاء بالعمل مجرد خرافة، وأنه لما اهتم بعائلته زاد إنتاجه بعمله، و»نواف العمري» نابغة ـ يحفظه الله، وقيل لي إنه يتحدث ثماني لغاتٍ منها الآرامية القديمة، وكانت خطبته أيضا عن العربية، وطالب بإنشاء مجمع للغة العربية في المدينة المنورة كقلبٍ للدين واللغة معا.
 
والشاب شيخ العامودي كان جيد التعبير والإلقاء، وأما «صالح بن حنيتم الغامدي» فهو استثنائي، وتكلم عن الأم، وأنشد شعراً بصوته الرخيم، واستدر الدموع.. وكانت لغتهم سليمة نطقا، وقواعد، ونحوا، وهم منطلقون شفاهة.. لقد نهضوا باللغة بأنفسهم بعيدا عن كل العراقيل والمشاريع التي تعِدُ ولا تأتي.. والقادمُ أحلى.
 
الشابُ «ماجد الشهري» رئيس الحفل، طلب من الجمهور أن يصفح عنه إن كانت هناك أخطاء، وأرسلت له ورقة: «إياك أن تطلب الصفح عن عمل أنجزته مهما كان، وهذا كان رائعا».
 
بقيت أمنيةٌ واحدة، كي نسلم ملفَّ الأماني كاملاً: حضورُ الإعلام والتعليم!