الإبداعُ والنسيان في رحلةِ جيزان

سنة النشر : 05/04/2010 الصحيفة : الاقتصادية

 
نزلتُ إلى مطار جيزان، ووجدته صغيراً جداً ونظيفاً جداً، والطقسُ يميل قليلاً للحرارة، والشابّ البهيُ هاني المقبل بانتظاري من «موهبة»، أنيقاً في غايةِ الترتيب.
 
والشوارع والفندقُ الجديدُ الصغير الذي أقمتُ فيه.. كل شيءٍ منمنم وأنيق، ورائحة طزاجة الجِدّةِ تدور في الهواء. إلا أن الحدثَ الذي دُعيتُ لأكون ضيفـَه كان بكل المقاييس كبيرا. كان وصولي لجيزان جميلاً مريحا ناعماً لولا أني «تذكرتُ» أني «نسيتُ» حاسوبي في مطار الدمام.. عادي، ليس غريباً.
 
كان كل الأسبوع تجارب مع إبداعات الشباب، وكل يوم يزيد يقيني، أن أجيالـَنا تتغير نحو الأفضل، لم تعد تشكو، لم تعد تنتقد، لم تعد تنوحُ على ما لم تحصل عليه، لأنها أصبحتْ أكثر واقعية، فالعالمُ ليس مكاناً صالحاً في كل الأحوال، ولا مثاليا لكل فرد ليجده بالتلقائية بانتظاره.
 
أدركتْ شبيبتُنا أنها هي التي لها القرارُ في واقعها، وفي مصيرها، وعملت لتغيير وصنع واقعها، لا واقعاً يصنعه آخرون. وكنت حدثتكم عن أصداء مؤتمر الخطابة الذي أقيم في الخبر الخميس والجمعة الفائتين، وكيف تجلى شبابُنا السعودي بالخطب المرتجلة بالعربية، وبمواضيع هامة وكبرى وعملية تأخذ الألبابَ حقا فقط في خمس دقائق.
 
وأثبتوا مرونة وقوة تأثير وجمالية هذه اللغة، التي تعتبر بشهادات اللغويين واحدة من أقوى لغات الأرض، إن لم تكن أقواها.. ممّا هزّ قريحة رجلٍ عظيم مبدع آخر هو أديبنا وأستاذنا الدكتور «سعد عطية الغامدي» فقال من قصيدة تفضل بإرسالها إلي من فرط إعجابه بما قدمه مؤتـَمـِرُو الخطابة «التوست ماستر»: غرِّدْ على أفق البيان خطيبـــــــــا وانثر نضيدَ الدرِّ فيه عجيبـــا واجعل قلوباً تحتفي في نشـــــوةٍ كم أنعشَتْ لغةُ النبيِّ قلوبـــــا لا تلق بالا للمخاوف لحظــــــــة فالمجدُ يوشك أن يكون قريبـا في «توستماسترك» الجميلِ تألقتْ قِمَمٌ وخاضتْ بالنجاحِ دروبا ومن التألـُقِ أن تكونَ مناضـــــلاً فذا تأنـّقَ شــاعـِـراً وخطيــبا ثم جاء الحفلُ السنوي الذي تقيمه «موهبة» للاحتفاء بالفائزين بجوائز الإبداع والابتكار والاختراع، وهم من الشابات والشباب الصغار، بإنتاج بحثي وعملي وتجريبي ومقيَّم من لجنة علماء.. يجعلك تظن أنك في دنيا من عوالم «جول فيرن» و»هـ. جي. ولز» و»إيزاك عظيموف»، و»عباس بن فرناس».
 
وأسندتُ جسدي على الكرسي مطمئنا، وأنا أرى مستقبلاً وتاريخا مشرقا يُصنعَان أمامي. وقد كنتُ ضيف الحفل - وربما كانت هذه هي الفكرة الوحيدة الخالية من الابتكار- فلما وصلتُ عرفت أني لم أحْضِر بشتاً، «نسيتُ» على أغلب الظن. وكان أن بدأتْ رحلة جلب بشتٍ لي من أقرب مكان، وقد وصل محفوفاً بالفرحةِ في الوقت المناسب، كما يتطلب على ضيف الحفل «المبدع» أن يكون في كامل قيافته، فاخترت أن أحضر ثوباً خاصا بكمّين مقفلين، ولما لبسته تبين أني «نسيتُ» أن أحضر طقمَ كبكٍ له، فكان «هاني» دوما عند الحرَج الشديد مستعِدا، فاشترى لي طقمَ كبكٍ فضي في غاية الأناقةِ واللمعان، وتعمد أن ينسى الفاتورة، وتعمدتُ أنا أن أنسى السؤالَ عن الفاتورة.. وهذا يحصل في أحسن..الظروف! كان الإبداعُ هو الموضوع،
 
بل هم المبدعون، بل هم الشبيبة المبدعة من بناتٍ وأولاد، حتى إن وكيل وزارة التعليم الدكتور «منصور بن محمد العمران» مال إليّ وهو يطري الحفلَ وموضوعَه، متمنياً لو كانت هناك فقرةٌ خاصة يَعرِضُ فيها الأولادُ والبناتُ اختراعاتـَهم، بما أن الحفل لهم وبسببهم، وعرفتُ، أو ظننتُ أني عرفت أنه يقصد (ربما) بدل أن أقومُ خطيباً، واستبدلتُ بأحد هؤلاء المخترعين، لكان أفضل وأفود وأشرح لقلوب هؤلاء الصغار العباقرة وللحاضرين، هو لم يقل لي ذلك، لكني انكمشتُ في كرسيي، مدركا أن ما يقوله هو عينُ الصحة والحقّ والعدل.
 
يوما وقف الدكتورُ «أنس الحجي» في منتدانا «أمطار»، وقال: «لا تقلقوا في الحفاظ على النفط، وفكّروا كيف تصرفون أموال النفط للاستثمار في المستقبل»، وهي جملة لن أنساها أبدا، وهذا ما قلته للحفل بخطابي، وطبعا «نسيتُ» أن أشيرَ إلى أن الفكرة مستعارة من الدكتور أنس، ووجدتُ بما أن النفط يُنـَقـَّبُ عنه بآلاتِ تنقيبٍ، فإن آلتنا للتنقيبِ عن ثروتنا الدائمة وهي شبابنا المنتج المبتكر والمبدع، هي مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع.. أداتنا للتنقيب عن منابع البشر.
 
كان الحفلُ برعاية أمير منطقة جيزان محمد بن ناصر بن عبد العزيز، وبحضور نائب رئيس مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله ووزير التعليم الأمير فيصل بن عبد الله آل سعود، وكانا في غاية اللطف معي معلقين على ظاهرة النسيان لدي، على أن الأمير «فيصل بن عبد الله» بروح مرحة استهدف الكبكيْن الفضّيين في كُمَي ثوبي، فاضطررتُ أن أحميهما من إعجابٍ قد يزيد إلى استهدافهما، وابتعدتُ بسرعة مخبئا كبكـَيْ ودرعاً سلّمها الأميرُ محمد بن ناصر.. ذكرياتٌ لا تنسى، حتى من عقلي الموسوم بالفوضى وذاكرةٍ مزدحمةٍ متعثرة التنظيم.. على أن أحدَ الحاضرين الكرام، نبّهني قبل الخروج: «نسيتَ» الدرع!