العلمُ نووورٌ! (1 من 2)

سنة النشر : 15/05/2010 الصحيفة : الاقتصادية

 
الدكتورُ الصديقُ «نوّاف بن بداح الفُغم»، رجلٌ مثل قنـّاصي الجواهر، يعرفُ معدنَ الناس، ويقع على جوهرِ القضايا. لاحظت أن لديه ملكة التمييز، فيعرف أن هذا شخصاً مبدعا من عشرات الجالسين، ويعرف أن هذه القضية ذات أبعادٍ كبرى من ركام من القضايا.. ولكنه يعتقد أن الناس مثله، فكل ما وجد جوهرةً من جواهرِه إلا ويهاتفني، وهذا شيء مُحتـَمَل .. إلا أنه في الآونة الأخيرة صار صعب الاحتمال، فبمجرد عثوره على كنزٍ من كنوزه، وكنوزُه لا تقف عن الاستكشاف، لم يعد يتصل، بل صار أكثر حِرصا اقتصادياً، فيرسل رسالة آمرة: «كلمني!».
 
إلا أن هذه المرة كانت شيئا مختلفاً، إنها مثل كتاب السيد «ريبلي»: «صدّق أو لا تصدق!» من الدكتور «الفُغم» رسالة هاتفية: « كلمني»! نجيب، متأفـِّفاً بينه وبين نفسه: «ما كنا كويسين وأنتَ تقوم بالاتصال كاملاً!».
 
ولا يجد مناصاً من أن يهاتف زميلـَه الحبيبَ «الفغم»: «أهلاً.. أرجو أن تعرف أن ميزانية الاتصال المتاحة لي محدودةٌ جدا..». إلا أن الدكتورَ الفغم لم يرَ طرافةً فيما قلتُ وردّ مباشرة كعادته: «أنت في مكتبك؟ انتظرنا سآتي مع شخص لن تندم أبداً على معرفته!» ثم .. كلِكْ! هه، كان الصوتُ هادراً آمِراً، ولم يكن لي إلا الاستجابة لرجلٍ عسكريّ في مروءة رجل البادية، وانضباطية ابنِ جامعة «ليدز» التي تخرج فيها بالدكتوراه.. وبالفعل وصل الدكتورُ مكتبي بالرياض مُختالا، فهو يعرف أنه يصحب كنزاً بشرياً عبقرياً .. وكان الكنزُ المعرفي هو السيد «عماد بن فهد الدغيثر»، وكان الرجلُ في غايةِ الدماثةِ والتواضع وعالي التهذيب، يحمل معه حقيبة حاسوب محمول، ولا يظهر إلا كما يبدو رجل أعمال عصريا.. لا رجلا يمشي وقيمته ربما مليار ريال! لأن في الحاسوبِ وفي عقل «الدغيثر» طاقة دافقة من باقةِ الابتكاراتِ والمعرفةِ النفيسة.. دعني أقرب لكم عجيبَ ما رأينا، فالدغيثر بارعٌ في التوقع لما سيقول له من يسمع عن إنجازاته المُبهرة، فكنا نقول الدكتور الفغم وأنا وهو مستغرق في الشرح: «لا، مو معقول! يا شيخ ما كأنكَ يعني.. بالغْت!»، وهذه أحلى جملة تطرب لها أذنا «الدغيثر» فترى الابتسامة تشرق واسعة على محياه ليضغط على الموقع في الجهاز ويريك بالدليل الموثَّق ما أنت متعجبٌ منه أيما عجب..
 
الرجل مشروعه ستجده في موقع www.nooor.com، وأنك ستجد أيضا في اليوتيوب برامج عن ابتكاراته في لقاءاتٍ مختلفة أنصح بالاطلاع عليها، وستجد عن ابتكاره المدهش للبرنامج المعرفي العام، والمنهجي الخاص بمدارس المملكة، والذي يصل كل العالم.. أي أن كلَّ مهتمٍ على الكرة الأرضية بإمكانه أن يتعلم من الصف الأول ابتدائي إلى نهاية المرحلة الثانوية من مناهجنا المحفوظة والمبوبة والمفصلة والمشروحة في المتن وفي المواقع الملحقة بالآلاف في برنامج الدغيثر الإلكتروني.. ونحن جلوسٌ معه يفتح الموقعَ على خريطة العالم، ثم نعرف أن شخصا في جزيرةٍ نائيةٍ، ليست على الخريطة، دخل الموقعَ من إضاءاتٍ نجميةٍ تومض كما يومض جرمٌ بعيدٌ في الفضاء السحيق.
 
هل تعلم أنه يوم زارنا تعدى من دخل موقعه مليون شخص من أرجاء الأرض، وخاصة من العالم العربي، بل وحتى من فلسطين المحتلة، وطبعا الدخول وتلقي أثمن ما يقدمه إنسانٌ لإنسان: العلم.. مجاناً! يعني، كما يقول الدغيثر، وهو قولٌ مهمٌ لو انتبه له مخططو الفكرِ الاستراتيجي عندنا (إن كانت عندنا هيئةٌ بهذا التخصص) إن هذا البرنامج أيضا وسيلة كاسحة التأثير واسعة المدى عابرة للقارات لنقل فكرنا وثقافتنا التي نحب أن ننقلها لعقول الشبيبة في كل العالم لو أردنا.. وكلامه أيضا مثبت أمامنا بالدليل والبرهان.
 
تصوروا أن يأتي الطالبُ والطالبة في المملكة للمدرسة لا يحملون كتابا واحدا، فقط الجهاز المحمول، أو جهاز الطاولة الثابت في المدارس، فيذهبون خفافا ويأتون خفافا، ولكن عقولهم ستكون مليئة بالمعرفةِ العصرية والشائقة القابلة للتحديث والتطوير في كل رمشة عين.. تصوروا! تصوروا لو أن الطالبة والطالب يمكنهما حتى التعلم من بعدٍ أو في المنزل أو في المستشفى أو في البلد البعيد لا يمنعهما حائلٌ ولا ظرفٌ من تلقي التعليمَ كاملا متكاملا مع مزايا البحث وزيادة التعريف والمقارنة والشواهد مع روابط ومواقع تعليمية مكملة .. تصوروا.
 
تصوروا كم التوفير الهائل في مصاريف الطباعة واستهلاك الورق .. برنامجٌ سيكون حتى أكبر صديقٍ للاقتصاد والبيئةِ معا.
 
وسأترككم تتصورون حتى نلتقي الإثنين القادم