مفكرٌ للأمة.. (1 من 2)

سنة النشر : 24/07/2010 الصحيفة : الاقتصادية

 
هذا الروسي "تريجنيف" كان مبالغاً جداً عندما أطلق عبارةً ظالمةً لأدباءِ روسيا العظماء وهو واحد منهم، قال فيها: "نحن كلنا خرجنا من داخل معطف جوجول". وهو يعني مواطنه الشهير "نيكولاي جوجول" صاحب قصة (المعطف). لو كان هذا الكلامُ صادقاً لكان "جوجول" هو مفكر روسيا القيصرية الأول.
 
كان واحداً من أعظم الروائيين، ومن أبرز صانعي الأساليب الفذة والتعابير الأخاذة، ولكنه كان متشائما، معذّب الضمير، مائعَ الأخلاق، ساخراً بمرارة داميةٍ، وحقّ أن يكون رجلاً ميتا يمشي على قدمين. لذا كانت رائعته الأولى رواية "الأرواح الميتة"، عندما تُنهي قراءتـَها تتلهفُ لأول هبّةِ هواءٍ، وكأنك خرجت من قبرٍ عميق.
 
إن "جوجول" الذي يقول: "إن الأرواحَ الميتة هي أنا والناس كلهم" لا يستحق أن يكون مفكراً لأمّةٍ من الأحياء! لأنه لم يبثّ القوةَ والعنفوان والذكاءَ في أمّتِهِ ولم يُنتج حركةً للأمام، بل إن "بوشكين" أقربُ لصفةِ مفكر الأمة الروسية منه، لأنه كان منتجا للفكر الذي يتدفق مع تيار الحياة الحي في مجتمعه، بل إنه بالغ في ذلك كثيرا، وخسر حياتـَه في مبارزةٍ غبيةٍ بالسيف أنهت حياة أعظم من كتب بالروسية! ولذا فإن لقبَ مفكر الأمة الروسية لقبٌ يفيض عنه، لأن أهم صفات مفكّر الأمة هو الذي ينجح في رفع ذكائِها لتتخلص من سفاهاتها. وأُعطي اللقبَ مطمئنا قانعاً إلى "ليو تولستوي" الذي أعطى مثلاً شهيراً نادرا في تحرير العقلية الروسية إزاء عبودية الإقطاع ورفـَعَ من قيمتها الذوقية في قصصه التي كانت تُحَفاً من عصارة العبقرية الإنسانية الروائية المثالية.
 
وما زلتُ قارئاً معجباً بالكاتب الأيرلندي "سومرست موم" وتأخذني أجواؤه الوصفية في الأرخبيل الإندونيسي، حيث أقام وألـّف زمنا (قيل فيما بعد بأنه تجسّسَ لمصلحة الحكومة البريطانية) واستغرق في وصفه الذكي والممتع لخلجات النفس البشرية، وأحبُّ وضوح وتنوع شخصياته.
 
على أني لا أصنفه مفكّرا لأمة الإنجليز لأنه كان شخصية ساخرة منسحبة إلى داخل أجوائها النفسية. ولأنه من المعتقدين والمطبقين للعقيدة الأبيقورية، هذا المذهبُ الذي ينادي باللذةِ المطلقة، أي أن تغرق في ملذاتك وكأنها رسالتك الوحيدة في العالم.
 
ورغم شعبيته الجارفة ومبيعات كتبه التي فاقت في وقته أي كاتب معروف.. إلا أنه إضافةً إلى تباهيه في اللذة، كان يمقت المرأةَ ويصرّ على تمثيلها بأدوارٍ شائنةٍ في قصصه. وهذا تحاملٌ مرضي يسحَبُ عنه صفة مفكر الأمة.. وأجدني أعطيها واثقا مطمئنا إلى "برترَند رسل" الذي أطـْلـَعَ الأمّة على نقائضها وأشعل فيها قبسَ ذكاءٍ جديد.
 
.. وكان تأثير "نيتشه" هائلا في الأمّة الألمانية، وهو الذي بشـَّرَ بأن الحرية السامقة هي في القوةِ والغلبة، ورغم تنشئته المسيحية المتزمتة، إلا أنه انقلب على المفاهيم المسيحية ناعتاً إياها بالضعفِ والهوان.
 
كان مُفكرا عِصابياً تضربه خبلاتٌ ذهنية ومجّدَ عقيدة تفوّقِ القوة، ومنها مواصفات "البشري الأمثل"، وما أظن أن بزوغ النازية في ألمانيا وتمجيد هتلر لذاته وهلوسته السيكوباتية في تسيّد وصفاء "الأرومة الجرمانية" إلا من واقع هذا التأثر بفكر نيتشه، وهذا لا يسوّغ أن يعتلي "نيتشه" عرشَ الفكر الألماني، لأنه مفكر تجري وراءه شبيبة الأحزابِ وليست فيالق الأمم. ومواطنه "كارل ماركس" الذي مات مخمورا يحارب الرأسمالية ويبشر بمادية اشتراكية يقع عليه ذات الحكم. على أن "جوته" كان مفكّرا ألمانياً ضخم العبقرية، وتتصف نفسانيته بجوانب صافية رائقة، وضميراً راقيا متفاعلا مع الموجة الإنسانية، ونشاطا فكريا متقدا متعددا ومتطلعا إلى الثقافات الأوروبية الأخرى والحضارات الشرقية.
 
وذاب "جوته" عاطفة فأخرج رائعته، ودرة الأدب الألماني "آلام فرتر" (قرأتُها مترجمة إلى الإنجليزية من مترجم أجاد نقل الروحَ والنصَّ تمنيت يومها لو عرفت الألمانية، ألمانية جوته) ولقد شاعتْ حكاية "فرتر" بين شباب وفتية ألمانيا وتبعهم شباب أوروبا في القرن التاسع عشر وطغى تأثيرها الآسر عليهم حتى إن بعضهم انتحروا وَجْداً كما فعل "فرتر" بعد يأسه المفجع من حب أشقاه وعذبه.
 
أسّسَ "جوته" نظام دولة مع أميرٍ بافاري كان شديد الإعجاب والتعلق به. كما أن جوته يتميز باتجاهٍ تأملي، ومسالمة مع عناصر الحياة.
 
وملـَك لغةً مبهجةً حتى في حُزْنِها، وأسلوباً مزخرفاً بالضوءِ الإنساني مع تفكيرٍ منهجي وأخلاقي في تسيير الشعوب والأمم، وهذا ما يجعل "جوته" جديرا بأن يكون مفكرا للأمّةِ الألمانية.
 
.. ولم يكن "سارتر" إلا مُفكراً محبوساً بالهمِّ الوجودي العبثي، رغم شهرته وكثرة حوارييه، وحيث إنه كان تابعاً في نظرية الفكرة الوجودية، ولم يكن مؤسسها، فقد كبّرته صحافة فرنسا والمهتمون بالمدّ السارتري، ثم سكـَنَهُ هذا الوَجـْدُ النفسي في استغراقه بأسطورته، وصار يعتقد أنّ فكرَهُ يفيضُ عن الوعاء الوجودي كما صمّمه أبو الوجودية "سيرين كيركيجارد"، وركب موجةً راديكالية تطلبتها الموضة الراديكالية التي كانت تغمرُ العالمَ بُعَيْد الحرب الكونية الأخيرة، ولكنه لم يكن مفكراً تؤرقه الأمة الفرنسية، وقد أقـْتـَنِعُ بمن يجادل كوْن "سارتر" من رموز الأمة الفرنسية مثل "ليليان" ولكنه لم يهيئ فكرا تنويرياً أو إصلاحياً لأمته، وقد يكون «ديرنمات» السويسري أو "مورافيا" رغم تفسخـّه الفلسفي أقربُ من زميلهما الفرنسي في صفات المفكر الوطني.
 
إن "أندريه ملرو" أقرب بمراحل ليكون مفكر الأمّة الفرنسية لولا كونه مثقفاً رجعياً متزمّتاً رغم تأهله كعضوٍ في الأكاديمية الفرنسية. كذلك زميلهما الأقل شهرة "فرانسوا مورياك" وكان مفكّراً وباحثاً بأهدافٍ جادّة عضو الأكاديمية الفرنسية، والحاصل على الجائزة الشرفية العالمية الأولى «نوبل» في عام 1952، ولكن التزامه الفكري للكاثوليكية كاد يحوّله إلى متكرِّسٍ دينيٍّ وضيَّقَ آفاقَ انتشار فِكره في الأمّة.
 
وكان "شارل ديجول" زعيماً كارزمائياً وصاحبَ فكر، ولا يتأهل مُفكرا لفرنساً أولا وأخيرا لغرامِهِ الشوفيني بفرنسا.. وما زال «جان جاك روسو» يطلّ من نفق الزمن بأفكاره ومبادئه على الأمة الفرنسية.