يا نجيب .. هل هذا يعزّزُ هيبةَ القضاء؟!
سنة النشر : 25/09/2010
الصحيفة : الاقتصادية
بعد نشر مقالة "يا قاضي: قيدت أيادينا جميعا" في هذه الجريدة، تواردتْ عليّ الاتصالاتُ، والمكاتباتُ المحتجّة من منتمي السلك القضائي في البلاد، ومعظمها كانت ردودا غاية في اللياقةِ والرقيّ في تناول الموضوع من دون الشخصنةِ، والهجوم الغاضب.
ودعاني من أحترمهم من مسؤولي الإدارات القضائية في البلاد وبأدبٍ جمّ كما قالوا للتعارف الشخصي وتبادل الرأيَ، وأكبرتُ ذلك للجميع. وأختارُ هنا رسالةً شاملةً ومتزنة ومضمَّخة بأدبِ النقد وحتى اللوم العاتب الشخصي لي، ولو أن اللومَ يأتي هكذا.. لاستكثـَرْتُ منه.
أترككم مع الرسالة كما فعلتُ مسبقا مع رسالة المستشار الذي نقل واقعة المقال المذكور، مع جزيل احترامي وتقديري لمُنشئ الرسالة: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أحييك تحية طيبة، وأهنئك على قلمك الرائع وحسك المرهف، وروحك الجميلة، واسمح لي أن أعقّب على ما نقلته في مقالك (يا قاضي قيّدت أيدينا جميعا).
بداية أقول لكَ يا أستاذنا الكبير الحق في الكتابة حول ما تراه معبّرا عن واقع معايش، أو حلا لمشكلةٍ قائمة، أو تحذيرا من خطر داهم؛ لا سيما أنت في موقع الرقابة والتشريع التنظيمي في مجلس الشورى، وتتمتع بجمهورٍ عريض من القراء والمتابعين: بقدر ما لقرائك عليك من حق في أن تمحض لهم النصحَ في القول، وتتحرى لهم الصدقَ في النقل، وأنت كذلك ـــ بإذن الله ـــ وأكثر وأجمل وأفضل.
كما أنني لست بحاجةٍ للإشارة إلى أهمية القضاء في جميع الحضارات وعند مختلف الأمم والشعوب، فضلا عن شريعتنا الإسلامية السمحة، ولا عن مكانة السلطة القضائية ورجال القضاء في الدولة الحديثة، فذلك لا يخفى على كل عاقل .. فضلا عن "نجيب" القامة الثقافية الشامخة، وجمهورُه المثقف.
ومن هذا المنطلق أبوح لك بما خالجَ صدري حينما قرأتُ هذا المقال؛ قلت: أي سقطةٍ وقع فيها كاتبُنا الكبير؟ وما الذي ورّطه في هذه الإساءةِ البالغة للقضاء السعودي بنقله تلك الرسالة؟ تعلم طبعا أن هذا الفعلَ المنسوب إلى ذلك القاضي ـــ أيا كانت مبرراته ـــ تصرف شاذ خارج عن الروح الإسلامية، لا يمثل القضاءَ السعودي، فضلا عن الشريعة الإسلامية، بل لا يمتّ له بصلة، وإنما يمثل من قام به فقط ولا يتعداه إلى غيره، وأظنك وجميع قرائك الكرام توافقونني الرأيَ في ذلك، فإذاً ما الغاية من إخراج هذه الحادثة من قبرها وبعثها من مرقدها بعد أن عفا عليها الزمن، بل ربطها بالقضاء السعودي وقضاته وهم منها براء؟! هل الغرضُ من ذلك محاسبة المخطئ؟ إن كانَ فقد كان .. فهو قد كُفـَّتْ يدُه عن العمل، وأحيل إلى دائرة المحاسبة ومجلس التأديب، كما نُشر في حينه على صفحات الجرائد .. كما أن لمتابعة ذلك أقساما مختصة في المجلس الأعلى للقضاء كالتفتيش القضائي ودائرة التأديب تقوم بدورها في هذا الأمر، أم أن الغرضَ هو الاستنكار المحض لهذا التصرف؟ فمن ذا الذي يشك في ذلك أو يناقش فيه؟! أعتقد يا سيدي أن الإساءةَ الكبيرة إلى عرض الوطن (القضاء) في هذه الرسالة تكمن في أمرين: هي تنقل الواقعة وتبرزها بصورة توحي للقارئ الكريم أنها الصورة النمطية للقاضي السعودي الظالم المتسلط (!)، بل تسعى جاهدة لإرسال الإيحاءات الذهنية وتوجيه ذهن القراء إلى أنه واقع القضاء السعودي ممتهـِنُ الكرامةِ وقامع الحريات، فكاتبُ الرسالة يشعر بألمٍ شديد وإهانةٍ شديدةٍ لأنه لا توجد ضمانة له ولا لغيره من المقيمين والمواطنين بأن لا يتعرض لمثل هذا الموقف على حد قوله (!) وهو أيضا لا يستبعد أن يقع مثل ذلك من قاضٍ آخر، فالقضاة قد اعتادوا على ربط المراجعين بالسلالم كما يعتقد، فهل قضاؤنا وقضاتنا كذلك؟! أترك الإجابة لكل منصف؟ وهي أيضا تحمل نفسا تفوح منه رائحة التحريض على قضائنا وقضاتنا ـــ بقصدٍ أو بغير قصد، ممزوج بقدر من الحسَد ـــ المُمَوَّه بالحرص على المال العام ـــ يوحي به ختم تلك الرسالة بربطٍ غير موضوعي ولا منطقي بين الحادثة التي افُتتح بها المقال، وبين ما يتوهَمه ويتخيله كاتبها من أن القضاة قد تحصلوا وسيتحصلون على مزايا ـــ ضخمة ـــ يختصون بها عن غيرهم، بينما لا تعدو تلك المزايا ـــ الموؤدةُ في مهدها ـــ أن تكون أحلاما وردية لا وجود لها على أرض الواقع، مع استحقاق القضاة الكامل لها، وبالمناسبة أؤكد لك وعلى مسؤوليتي أن تلك المزايا المنشورة من نسج الخيال فليس هناك ـــ حاليا على الأقل ـــ أي مزايا مادية للقضاة تفوق موظفي الدولة على الإطلاق.
ختاما أقول وكلي ثقة بعقلك وحكمتك وبُعد نظرك، هل نشر هذه الرسالة ـــ بهذا الأسلوب وتلك المفردات ـــ يعزّز هيبة القضاء والعدالة في المجتمع أم يزعزعها؟ وهل يساعد على احترام القضاء أم يحضّ على التجرؤ عليه وعلى رجاله؟ أحييك وكل مخلص يسعى إلى نشر الثقافة الحقوقية وتقويم ما قد يطرأ من خلل في دور العدل ورجال القضاء.. ولغيرهم أقول كما قال الحُطيئة:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سدّوا المكانَ الذي سدّوا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوك المحب/ عبد المحسن الناصر ـــ الخبر".