واحترَقا معًا

سنة النشر : 27/09/2010 الصحيفة : الاقتصادية

 
مهما خبأتَ عملاً أثـّر سلبا في أحد، فإنه يوما لا بدّ سيظهر للعالمين .. حينها قد لا تحب ذاك الظهور. أقول ذاك من فرط ضيقي، ومن فرط غباء، وضعف عاطفة وحس وشعور الآباء الذين يتزوجون في الخارج ثم يتركون أبناءهم تحت قهر الظروف .. خصوصا في بلد يفقد الابن، وتفقد الابنة، فوق ما يفقدانه من رعاية وحدب الأب، اللغة العربية التي نشأ عليها أجدادهما وجدود أجدادهما، والأنكى يضيع الدينُ الذي خصّ به اللهُ أجدادَهم، وأجدادَ أجدادِهم .. وسلب أولئك الآباءُ أعظمَ ما أعطاهم الله، وأهم ما أعطتهم أرومتهم العربية .. وتركوهم يضيعون بلا دين وبلا أخلاق وبلا لغة وبلا سند حقيقي.
 
في أعمق أعماقهم هم وحيدون .. وحيدون جدا في الداخل، هم بائسون، بائسون جدا في الداخل .. هم زائغون، هم ضائعون وهم دوما باكون، وكأن الدمعَ خدين الحياة، ورفيق العمر .. وتبكي معهم، وتبكي من أجلهم، وتبكي كيف ضاعت الرحمة والحس والذوق وأبسط أبسط مكارم الدين والأخلاق.
 
أنا لا أقول لكم ذلك تنفيسا، بل أدق جرسا في قلوبكم لتقفوا مع هؤلاء، أدق جرَسا كي يتحرك ضميرُ الآباء، ولقد تعبت من شد حبل الجرس، ولن أيأس .. فكل يوم ينضم معي أحدٌ يجر هذا الحبل .. وكل يوم يبعد عني أحد كان قد وعد أن يجر معي هذا الحبل. لما تهاتفني شريفة أمينة ''رابطة العودة للجذور''، ويتكرر الاتصالُ، أعرف أن أمرا حصل، وأن هذا الأمرَ عادة ما يكون حكاية ألم جديد .. وشريفة صارت تنتبه للرابطة ولأبناء الرابطة، كما تنتبه لأهم شيء في حياتها، ولو أنك سألتها ستقول لك: ''أولا إني أحبهم فهم إخواني وأخواتي السعوديات، وستقول لك ثانيا: إني أشعر أنهم يقرِّبوني لأبي''.
 
هذه المرة كلمتني شريفة عن ''ستيفان'' من أكبر نجوم الفن الشباب في السينما الفلبينية، والذي خرج على أهم محطة تلفزيونية، وقال للأمة الفلبينية: ''أبي سعودي .. وحياتي بائسة لأني لم أره''.
 
بناتنا وأولادنا نتيجة الخلط الهجين يتميزون بجمال الملامح، ونهوض القامة، وهم فقراء مدقعون، فتلتقطهم أيادي وسطاء النخاسة من السينما وعروض الأزياء إلى أحض الحضيض .. وستيفان الفنان أعلن للملأ أنه سعودي، وصرنا نعرف أباه، ومن أين؟ والأب ظنّ أنه مضى من الفلبين من عام 1989م لما ولُد ''ستيفان'' وأن ما تركه وراءه لن يعلم عنه أحد .. ولكن هيهات.
 
تدبرون ويدبّر الله! وأحدثكم عن بنت اسم عائلتها سعودي .. عاشت مع أبيها عشر سنوات، ثم غاب الأبُ وسحب من تحتها بساط الحياة. رنّ هاتفي فجر الأمس قبل أذان الفجر، وإذا بصوت فتاةٍ مراهقة، فلبينية، وتتكلم العربية (وهي محظوظة بالنسبة لباقي الأبناء الذين لا يعرفون العربية) والفتاة أول مكالمتها قالت لي بصوتٍ راجفٍ: ''أقسمْ!'' فوعدتها ألا أذيع لها اسماً لأن أباها كما تقول: ''يعيش سعيدا مع عائلته في السعودية، ولا أود أن أزعج هناء حياته ولا هناء حياة إخواني وأخواتي من أبي.
 
علمني أبي العربية، وعلمني بعض أصول الدين .. ثم تابعت مع المكتب الإسلامي دراستي. ثم توقفتُ، لأنه لم يعد لدي إمكانية دفع مبالغ المواصلات مع أني أستخدم ''الجيبني'' (حافلة صغيرة مكشوفة رخيصة الأجرة)، وأعترف لك بأني أعمل في نادٍ ليلي (لم أرِدْها أن تكمل كفاني! وطلبت منها أن تعطيني المُراد) قالت: ''نعم .. لي صديقة سعودية وكنا جميعا نحسدها لأنها تعيش مع أبيها السعودي الذي لم يتركهم حتى لما طلق أمهم الفلبينية وتزوج فلبينية أخرى، ولها أخ وأختان أُخْرَيان .. ثم أني لم أعد أفهم من بكاءٍ زحيريِّ يخرج من عظام الصدر.
 
وتابعَتْ بصعوبة: ''ولطالما شكت لنا صديقتنا عن تعذيب تقوم به زوجة الأب لها ولإخوتها، ولكن الفاجعة التي لم تهزني أنا فقط، بل هزت كامل الفلبين هي أن زوجة الأب أحرقتْ صديقتي، ولما هرع أخوها الصغيرُ ينقذها احترق معها، وأخرجوهما هيكلين متفحمين .. ومتضامّين. وهربت زوجة الأب .. إني أنقل لك هذا لا لأنغّص عليك بل كي تفعل الأمّة السعودية شيئا حتى تكون لحياة السعودي قيمة في الخارج .. قل لي: هل سمعت الخبر؟! هل نُقل في صحفكم؟ إني أتصفح صحف بلادي السعودية: لا شيء!''.
 
''هل تعرف ماذا أفعل الآن؟ أني أكثرُ من الشرب كي أنسى''. تك .. أقفلتْ السماعة! وطلبت من شريفة أن تتحرى ووجدت أن عندها الخبر، فهو مذاع في محطات الفلبين، وعرفَت أن بنتا أخرى نجت بحروق قاسية وهي في المستشفى، واتفقنا أن تذهب شريفة للزيارة .. وفعَلـَتْ.
 
وأرسلتْ هذه الرسالة: ''إني أبكي، ولن أقول لك ما رأيت''. إن تفعيل الرابطة بدعم رسمي سينقذ الكثير، فالفتاة تلك تقول إني مع الرابطة ولو قطعوا رأسي لما قلت شيئا للإعلام ضد بلدي .. وهذا أول قانون في دستور الرابطة! ''ستيفان'' لي حديث معكم عنه في وقت قريب .. وهو يقول: ''أمنيتي أن أموتَ سعودياً!''.