«على الطاير»، وسراج، والحَبْحَب
سنة النشر : 12/02/2011
الصحيفة : الاقتصادية
''عمر حسين'' شابٌ موهوبٌ جداً، وناقدٌ تلفزيونيٌّ يوتيوبي.. وبرنامجه الذي يعده باجتهاد خاص وينشر بالإنترنت عنوانه ''على الطاير''.. وصلني عن طريق البريد، وانبطحت على قفاي من الضحك من قوة وبديع سخريته، ضحك كالبكاء، فهو يأخذ أكبر الأحداث والمشكلات ثم يصوغها ويقدمها بأسلوب ومشاهد ساخرة، وبلهجته الحجازية الخفيفة وطلته الكارزمائية، وباستعداد فطري لالتقاط السخرية من الهواء قدم برامجَ صغيرة إخبارية تعليقية فكاهية.. في منتهى الجدية، وأتوقع له نجاحاً واسعاً، فأحد أفلامه القصيرة ''على الطاير'' قارب 200 ألف مشاهد.
أما الخبير ها، ها ''هادي عبد الحليم'' فقصة أخرى، فهو ليس هادئا ولا حليماً، يقوم بدوره شابٌ في منتهى الظرف. وتقوم شخصيته على المصارحة بالطريقة العصبية الجداوية، مباشر، ومضحك، وبـَرْقي التعليقات، ولاسع القرصات، وحارق النصح، وممّـا يقول: ''استحوا يا جماعة، بس كله حبحب حبحب.. شُغُل حبحب!''.
والحبحب هو البطيخ الأحمر، ويسمى الجحّ في نجد، والرقـِّي في الخليج، ويرمز له بالشغل الذي ليس به شغل حقيقي! وإلى عبقري السخرية ''عمر حسين''، والخبير الذي لا يشق له غبار ''هادي عبد الحليم''، هذه الواقعة التي جرت معي شخصياً. ''سراج'' رجلٌ ضئيل جدا، وادع الملامح، من بنجلادش، ما رأيت مسالِماً أكثر منه ولا أخفض صوتا، ولا أسرع تلبية لأي طلب، وهو مسلم حتى نخاعه يحفظ القرآن، ويقوم للصلوات، بل يتصدّق على الفقراء .. تصوّر.
لما صرت أتردد على الرياض نصف الأسبوع بحكم عملي في ''الشورى''، اتخذت سكناً طرفياً صغيراً في استراحة لنا بالرياض، ونصحني أخي جمال بأن يكون ''سراج'' معي.
وبالفعل كان هو مؤانسي بالمنزل الصغير، ويشرف على كل صغيرة وكبيرة، وتعدى الأمر أن وصل أمره لوالدتي فصارت توكله عنها لإيقاظي فجراً للصلاة، فهي لا تثق أبدا بأن أستيقظ لحالي. ثم إنه لا يفارقني ونحن على الإفطار، ويذهب معي للسيارة وأنا أغادر، وأجده منتظراً في عودتي. صار ''سراج'' لي أخا وصديقا ومؤانسا ورفيق مسكن.. لم يتشك يوما، ولم يتذمر، فهو يوكل لنفسه أعمالا إضافية، مثل أن يقوم على كامل الاستراحة، ويشرف على نظافة وصيانة قاعة ''أمطار'' الملحقة التي تقام فيها الفعاليات الاجتماعية.
وفي يوم جئت من المنطقة الشرقية كعادتي كل أسبوع، ولما وصلت المنزل لم أجد سراجا في الانتظار، وهذا من غرائب الدنيا، سنتان لم يتخلف سراج عن الانتظار أبدا، بل إنك على نبضه تضبط ساعتك السويسرية.. عجبتُ ورحت أبحث عنه.. ووجدته في غرفته منكبا مرتعدا، متكوّما كأرنب خائف صغير ترتجف أوصاله وحرارته نارٌ تتلظى.
وصعدت الدماءُ صهيرا يغلي لأم رأسي، لأنه متروك لم يهتم به أحد، ولا من زملائه في السكن.. وهذه أول حبحبة، كيف يهون الإنسانُ على الإنسان؟ صحيح أنه في مكان ناء عن الإدارة، ولكن تعلمت درسا أنه يجب أن تكون هناك صلة حيوية بين العاملين.. كان سراج سيموت لولا لطف الله.
أشرت على زملاء بأن يأخذوه للمستشفى. ولما عدتُ، وجدته كما هو يرتعش ومنهكا، وترى شبح المرض يمتص عينيه، ينتهي أمامي. ولما سألت قالوا لي فحص عليه الطبيب وأعطاه (بندول).. بندول يا .. حبحب.
ولكن لأنه بنغالي مسكين وضئيل ومعه بطاقة تأمين لم يتفضلوا بفحصه إكلينيكيا، لم يأخذوا عينة من الدم والخوارج .. منتهى اللامبالاة بالروح البشرية، ويسمونهم أطباء، ولكنهم يا ''هادي'' أطباء حبحب.. أطباء ''على الطاير!''.
تكررت الحكاية المزعجة مرات، مرة قالوا معه تلبك، ومرة عيونه ملتهبة، وعيّنات أدوية تصرف من دكاكين، وأما ما جعلني أخرج من طوري واتزاني لما قيل لي إن طبيبا قال: ليس به شيء، مجرد تفكير نفسي.. يا سلام، سراج تفكير نفسي.. يا حبحب! في آخر ليلة قبل أن أتخذ قرارا، لم ينم سراج، وكاد أن يهلك عطشا، أحضرت له كأسَ ماء ولم يستطع أن يمسكها من الرعشة، فانسكب بالكامل على جسده الملتهب فصرخ المسكينُ صرخة قلعت قلبي ولن أنساها، وراحت كل جهودي في صبِّ الماء في فمه عبثا.
عدت لمراجعي الطبية عن الحُميات، وخفت أنها إحدى الحميات القاتلة كالتيفوئيد، وكل العوارض الخارجية تؤكد، ولكني أبعدته كوسواس من الشيطان. في الغد طلبت أن يؤخذ لمستشفى كبير ودون بطاقة التأمين الصحي.. ثم جاءتني الأخبار، قالوا في المستشفى: أحضرتموه في حالة خطرة، عادة ما يموت المريض بعد الأسبوع الثالث إن لم يتلق علاجا قويا بالمضادات الحيوية، والآن يجب أن يرقد في المستشفى.. وادعوا له.
ـــ ما هي الحمى يا طبيب؟
ـــ التيفوئيد!