أبي، أمي: ما أعلى السور!
سنة النشر : 03/10/2011
الصحيفة : الاقتصادية
هل ولايةُ الأمر للأبناء مطلقة، حتى في الأمور السالبة التي يتفق الجميع، أو الرأي المنطقي السليم أنها خاطئة؟ امرأة تعمل في سلك التعليم وصلتني منها رسالة تقول إنها ستتجاوز الثلاثين عاماً، ولم تتزوج بعد، والسبب أن أباها كما تقول:
"يختلق حُجَجا غريبة في كل مرة عندما يتقدم لي أحدٌ أرضاه وأرغبه زوجاً، وبه مقومات الرجل الصالح"، و"أبي يتسلم راتبي مباشرة، فعنده بطاقتي مع الرقم السري"، وتقول: "هل تعلم أنني لم أر رقم راتبي من أربع سنوات؟ ولا أعتقد أني سأراه، فليس في الأفق ما يوحي أن أبي سيتخلى عن الراتب".
"الأعجبُ، كما تشرح برسالة طويلة مؤثرة، أن أباها ليس فقيراً على الإطلاق، فهو يملك عملاً خاصاً يدرّ عليه مالاً كافياً، كما أنه متقاعد ودخله الشهري يتجاوز العشرة آلاف ريال.."، وأضف إلى ذلك أنه لا يصرف على عائلة كبيرة فكل إخوتي يعملون، ما عدا بنتا وولدا في الثانوية.
وتضيف: "أني لا آبه لراتبي الذي يأخذه أبي بالكامل، صحيحٌ أن لي حاجات مثل أي فتاةٍ تريد أن تكون بأحسن إهاب، ولكنه أبي وكل ما أكسب حلالٌ له، ما دمت في بيتِهِ آكلُ وأشرب وألبس، مع تحفظي في مسألة اللباس هذه كثيرا!، ولكن أن يعضلني عن الزواج وتكوين عائلة لي، فإن هذا ما لا أطيقه أبداً.. لا أريد أن أقضي بقية حياتي عزباء وحيدة أبكي سوءَ بختي".
وبقية الرسالة ليست حروفاً وكلماتٍ بل دموع وصرخات.. ومن شابٍ يقول إنه يحب جماعة يقول إنها صالحة ومتديّنة، وأن أباه لا يطيقهم ويمنعه من مخالطتهم، ويشرح الشابُ عن أخلاقهم وحُسن معشرهم، وطهارة أردانهم، ويضيف أنهم محبون لبلادهم، بل إن أحدهم منخرطٌ في الجيش، ولكن أباه لا يطيقهم وبلا نقاش، ولا يتحمل أن يراهم في بيته، مما يضع الشابَّ في حرج أمام أصدقائه المفضلين، والذين كما يقول: "بفضل الله ثم بفضلهم أقلعتُ عن التدخين، وكان أبي لا يراني أدخن، ولكنه يعلم بطريقته أني أفعل، وكان ينهرني بطريق غير مباشر، ولم يتعد الأمر ذلك الزجر والنهي غير المباشرين، وبعد أن تعرفت على مجموعة الأصدقاء هؤلاء، امتنعت مع الوقت عن التدخين دون أن يومئ أحدهم إليّ بذلك ولا حتى إيماءة صغيرة، وتغيرت حياتي بالكامل، وصرت أنظر للحياة بنضج أوسع، وتفوقتُ بدراستي، ولاحظ الجميعُ ارتفاع معدلاتي في كليتي التي أدرس بها في السنة الرابعة.
على أن الموضوع مع أبي كبُر جداً، وكأني أرتكبُ أكبر خطيئةٍ يرتكبها ابنٌ بحقّ أبيه، فأقسم على طلاق والدتي إن دخلوا بيتنا مرة أخرى، وأنه لن يقبلني في البيت إن دامت علاقتي معهم.. على أني داومتُ أراهم، لأني لا أستطيع أن أستغني عنهم، وعلم أبي بذلك، فطردني من المنزل.. وبقية الرسالة محرّكة للشجَن، يشرح بها كيف يعيش حالياً يلتقط أنفاسَه كل يوم بصعوبة للاستمرار، وأن أمَّهُ أدخلت المستشفى لهزةٍ عصبية، على أن الأبَ لا يلين.. وفتاةٌ تقول إن أمها قاسية معها كما تشرح بلا سبب، وإنها الآن في الخامسة والعشرين، وما زالت تضربها بالحذاءِ لأي سبب، بل إن آخر مرة ضربتها به أدخلت المستشفى، والسبب لأن الأم اشترت حقيبة غالية ثم علمت أنها مقلدة في مزاد خيري، فوضعت جام غضبها على البنت لأن دعوة الحفل كانت باسم البنت وأخذت الأم بطاقة الدعوة عنوة وذهبت، ولما حصل ما حصل لامت ابنتها وضربتها ضرباً مبرحاً أجبر أباها أن يأخذها للمستشفى،
والأغربُ كما تقول: "لما سألتنا الطبيبة عن الرضوض كادت أمي أن تقول صراحة أن أبي هو السبب، على أن تلميحها كان كافياً.. وبقية الرسالة شكوى مُرّة، وتساؤل تضرعي عن حل.. وفي بلدان متناثرة على الكرة الأرضية يترك آباءٌ أولادَهم وبناتهم، بعد أن تزوجوا بصكوكٍ موثقةٍ وواضحة، بل عاشوا ردحاً مع أسرهم، يتركونهم لأعنف ضروب ظروف الحياة، بل حتى يتلبسوا ديناً جديداً، وعاداتٍ أخرى، ويضيعوا في أسواق النخاسة، والمخدرات والإجرام والتيه، لأنهم محصّنون من السؤال، وهم برأيي يرتكبون واحدة من أعظم الجرائم الإنسانية، كل يوم أسأل نفسي عن البنت فاطمة التي تركها أبوها، وقابلتها وهي في الثانية عشرة تدور في الأسواق تقدم خدمات التدليك في أسواق مانيلا.. وبعد سنتين، لما عدتُ أبحث عنها، قيل لي إنها ماتت بعد معاناة بمرض الإيدز.. يا إلهي ما أفظعها من ذكرى لا تزول ولا تنمحي، وكانت هي الشعلة التي احترقت لتنير نحو تأسيس "رابطة العودة للجذور" هناك.. وكنتُ قد عاهدتُ نفسي، وبكل ما أمكنني، ألا تتكرر مأساةُ فاطمةٍ أخرى! يبقى السؤالُ الصرخة من هؤلاء الذين يجأرون إلينا بالشكوى الملتهبة بأن ننقذهم، بأن نفعل من أجلهم شيئاً.. أي شيء: "هل نستطيع أن نحتج؟ هل نستطيع أن نـُنْصَف من أهلنا عندما يتعمدون إفساد حياتنا؟".
ويبقى مصطلحُ "ولي الأمر" سوراً عالياً صعب العبور.. فماذا عسانا فاعلون؟