أمير خان وأهل شغُلْستان

سنة النشر : 05/11/2011 الصحيفة : الاقتصادية


في بلاد السند منذ قرنين من الزمان عاش وجيهٌ اسمه "أمير خان" في غنىً وبحبوحة، ونجاح، وراجت سمعته بالخير بين عموم الناس في كل بلاد السند.

وكان يعيش في تلك المدينة الواسعة الكبيرة يرفل في النعمة ومحاط بالحدائق والجنان في باحة قصره الواسع بقببه الذهبية وأعمدته الرخامية. وهو في أقصى راحته، تذكر أنه عمل حتى أضناه التعب كل مرحلتي صباه وشبابه، حمل الأحجار على ظهره، ونقل المحاصيل على عربة يجرها جاموس حتى جمع قليلا من المال، وتذكر كيف أنه في مواسم الحصاد والأسواق كان يربط الليلَ بالنهار حتى يجني أكبر حصيلةٍ ممكنة من المال. بعد سنوات، وبعد عمل متواصل مرهق حقق الثروة وصار أكبر وجهاء سندستان.

وفي ذات ظهيرةٍ وهو مرتاحٌ على أريكته المحاطة بأقمشة الحرير الملون، والزهر المنثور يجلل عريشةَ جلسته، وكان يطل بتأمل عميق على ضياعه الواسعة تذكر أمراً مهما. تذكر قريته التي خرج منها ليبني كامل مستقبله، تذكر كيف كانت قريته حقيرة تملأها مستنقعات الأمطار في الشتاء ويدور فيها البعوضُ والأمراض، وكيف يحرقها الصيفُ فتعود جدباء وتغطيها أسرابُ الذباب.. لمعت في ذهنهِ فكرة، ارتاح لها ضميره، وقام يشكر اللهَ أن هداه لتلك الفكرة الجليلة.. وراح لا يلوي يقطع الفيافي عائدا لقريته الفقيرة الهزيلة.
 
وصل القرية بعد يوم وليلة، ووجدها كما تركها، عجفاء، يضربها الجوعُ والمرضُ وعشّش في أجساد أهلها التواكل والكسل والجهل.. فقام يدور في شوارعها الضيقة ينادي الناسَ للميدان المترب، وكان أن تجمعوا.. وقام فيهم مناديا وخطيبا: أبشروا يا أهلي وأبناء قريتي، لقد أتيتُ محملا بزكائب المال لبناء القرية من جديد، سنبني معا المنازلَ والمدارس والمشفى على رأس التل الشمالي الكبير.

وتحمس الناس وبدأوا العملَ في بناء المشروع الكبير في أرض واسعة خارج القرية. وكان الرجل المحسن الخيّر يدفع لهم بسخاء.. مضى الشهرُ الأول وهم سعداء، بعضهم يبني، وبعضهم يحضر الأحجار، والبعض الآخر انصرف لشق قنوات المياه من النهر البعيد، وإصلاح الأرض للزرع، وحفر الآبار.. والرجل الطيب في غاية السعادة.

جاء الشهرُ الثاني وبدأ أهل القرية في التبرم، وبدأوا يشكون ويسبون الرجل لأنه يتعبهم ويستغلهم، ولا يتركهم يرتاحون، ولا يقضون أوقات استرخاء تعوّدوا عليها لسنين.. وبدأ العمل في البطء والتخاذل وصارت الفؤوس تنزل ولا تُرفع، والأحجارُ لا ترد للموقع إلا نزرا، وبدأ الرمل يعصف بقنوات الماء نصف المحفورة، والأتربة تردم الآبارَ نصف المحفورة.

وفي الشهر الثالث.. توقف أهل القرية جميعا عن العمل، وصاروا يسبون الرجل ويعيبونه بشدة، وراحوا يروون لبعضهم كيف تشققت أياديهم من العمل، وكيف تفصّد العرقُ منهم حتى كادت تجف أجسادهم. وأخيراً.. تركوا موقعَ العمل الجديد الذي كرهوه ومقتوه وأسموه تشاؤما منه "شُغُلستان"، وشغل بالسندية تعني عمل.. أي أرض العمل.

بعد أن عاد أهل القرية أدراجهم ورجعوا لكسلهم وفقرهم وتواكلهم عاد المحسن الكبير يائسا منهم، وتركهم إلى حيث يعيش ترفا وجيها متنعما في قصره وبين ضياعه، غير آسف عليهم.. على أن القصة لم تنتهِ فصولا.. كان أهل القرية المجاورة من الناس الأكثر نشطا وهمة، ورأوا ما حصل من أهل قرية الرجل المحسن، وكيف تركوا الموقع نصف مهيأ، وزحفوا إليه جماعات، وما هي إلا أسابيع حتى أقاموا المنازل، وحفروا الأقنية، وأصلحوا الأرض للزرع، وجهزوا المشفى، وشغلوا المدارس.. وراح عليها الاسم الذي أطلقه عليها أهل القرية الكسالى تشاؤما، أي "شغلستان"، وأما سر بقاء الاسم هو أن الوافدين من القرية المجاورة العاملين رأوا في الاسم "شغلستان" كل التفاؤل! إن العيدَ هو روح العمل لا عيد بالتذمر، لا عيد بالكسل والتذمر. مرّ على القرية العجفاء العيدُ وعبر لم يعرفوا أنه جاء وعبَر.. وأما أهل "شغلستان" الجُدُد فابتهجوا بالعيد، وأقاموا حفلا مهيبا لضيفهم الذي دعوه وغمروه بالشكر والعرفان.

أما ضيفهم فقد كان .. أمير خان!

عيدكم مبارك!