.. ويا لهُ من انتقام!

سنة النشر : 26/11/2011 الصحيفة : الاقتصادية


رسالة نقلتني لأجمل ملف في أعلى أرفف دولاب حياتنا.. المحبة.

أعتبرها رسالتي لكم ببداية العام الهجري الجديد لأنها تحمل كل ما أردت قوله ولم أستطع. أترجمها من الإنجليزية:

"إني أخجل من نفسي أن أكتب لكَ بغير لغتي، ولكن لا ترقى لغتي العربية أن أكتب لك بها. أنا مسلمة سعودية، عشت فصلا من حياتي في أمريكا، وأمي أمريكية مسلمة، اعتنقت الإسلامَ من 30 عاما، وتزوجت أبي ـــ يرحمه الله ـــ السعودي. وأمي تقول دوما: "أخلاق المسلم: المحبة. وأخلاق الشيطان: الكراهية". وبهاتين النقطتين المتطرفتين وازنت كل حياتي..

هيفاء، فتاة كرهتني لأول وهلة. كنت لتوي حضرت من أمريكا ودخلت مدرسة حكومية، وأصر والدي ـــ يرحمه الله ـــ أن أبقى في المدرسة الغريبة، فلغتي جيدة ولكن نطقي سيئ لكثيرٍ من الحروف، وشكلي أجنبي فاقع، فأنا شقراء، وعيناي زرقاوان، وتقريباً بلا حواجب من خفة اللون والشعر.. لم أكن أنسجم مع المجموعة أبداً، إلا أن أبي كان يدفعني للمدرسة قائلا هؤلاء هم ناسك، ويجب أن تكوني منهم ومعهم.

ولما اشتكيت لوالدتي، قالت لي: "قد تكونين شقراء بعينين زرقاوين، ولكنك قلبك عربي مسلم.. كوني في قلبك، لا تخرجي عنه".

وبهذه الكلمات صرت أعيش حياتي حتى الآن، داخل قلبي. كنت أتحمل الفتيات لفترة، حتى صار بعضهن يألفنني، وبعضهن زاملني، وصرت أحاول أن أقدم لهن دروس الإنجليزية، فقلبي أملى عليّ أنهن يحتجن إلى تقوية في اللغة، فكان دافعاً لي أن أسجل الدرس على أسطوانة مضغوطة وأوزعها عليهن.. اقترحت الفتيات: سنسميها أسطوانة الإنجليزية. في الغد وزعت عليهن الأسطوانة، وكان العنوان: "أسطوانة المحبة". .. إلا هيفاء! هيفاء كانت تكرهني حقاً، ولا تترك فرصة دون أن تهزأني بلهجةٍ لا أعرفها، فعربيتي صارت مقبولة كما فهمي العام للهجة الذائعة، ولكنها تتقعّر بالسخرية فيفهمها الجميع إلا أنا، وكان هذا مؤلماً.. غاية في الإيلام. ولما صارت تعيّرني بصفاتٍ أفهمها مثل: أيتها القطة الشهباء، أو أم الليف، أو عيون إبليس.. لم ينقص الألمُ ذرةً واحدة! ومرة جرتني هيفاء من شعري تصرخ بأنه "ليف مستعار" ثم بصقتْ على وجهي، وقالت لي اغربي عن مدرستنا أيتها النجسة.. عدت لأمي وقلت لها: "لم أعد أستطع التحمُّل. اليوم جذبتني هيفاء وبصقت بوجهي".

وردت أمي: "اشتكي عليها، أو تحملي الوضع وعالجيه بنفسك". ومنها، صرت أتوازن دوما بين الشكوى ورد الفعل.. ثم جاء يومٌ غابت هيفاء، وغابت اليوم التالي، والذي بعده. وأخبرتُ والدتي، وقالت وهي ترفع حاجبها، كما تفعل عند مقتضيات أهمية الظروف: "ربما حان موعد الانتقام!". ولم يعد حاجبُ أمي إلى مكانه إلا وأنا أصر على أسناني قائلة: سأنتقم! وأخذني والدي إلى المستشفى، وكنت قد اشتريت بعض الهدايا. كانت هيفاء رافعة السرير، ورأتني من وراء الزجاج، فنهضت كالمصعوقة، كمن رأتْ شبحاً، وراحتْ تغمض عينيها تريد أن يتبخر الشبح.. إلا أن الشبحَ صار تماماً أمامها. قلتُ لها: "الحمد لله تبدين على ما يرام". صمتت تطالعني بوجوم وبكت.. ثم قالت: أتعرفين يا ماجدة؟ أنت الوحيدة التي زارتني من كل صفي، وكنت أحسبهن صديقاتي". ثم طبعتُ على جبينها قبلة.. واستطعمت تلك القبلة، فقد كانت.. أقصى انتقامي! لما خرجتْ هيفاء من المستشفى وأتت للفصل، ضمتني أمام الجميع وقالت: "ماجدة هي صديقتي الوحيدة في الدنيا". مضت خمسة أعوام لم نفترق أنا وهيفاء، وصرنا أكثر من شقيقتين، نتشارك كل شيء، ليس تقريباً، بل كل شيء.. أنام عندها، وتنام عندي.. قبل عامين طلبَتْ أن تحج عائلتانا معا. بعد الحج عاد لها مرضها.. أخذوها لخارج المدينة للعلاج.

بعد شهر مكالمة من أم هيفاء: ــــ ماجدة، اليوم توفيت هيفاء.. وكاد أن يُغمى عليّ.. إلا أن ما أعادني لصوابي، مصعوقة الحزن، أنها تابعتْ: ــــ ماجدة، كانت وصية هيفاء ألا يقوم على غسلها إلا أنت.

قمت بغسل حبيبتي وشقيقتي وصديقتي هيفاء ووضعت يدي على قلبها المؤمن، ووجهها يضيء بنور المحبة.. وقلت: "هيفاء، شكراً يا صديقتي!".