مقتطفات الجمعة 38

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
أهلاً بكم في مقتطفاتِ الجمعة رقم 38 ، أرجو أن تنال رضاكم.
 
قضية الأسبوع: إن بدأتَ أمراً فأتممه، ومن يعمل خيراً فليكمله. أما أن تقلب ما تفعله ضررا فأمرٌ غريبٌ جدا. واليوم أخص المرضى المرسلين للعلاج في الخارج، والأسئلة الحائرة كثيرة.. منها من يحدد تماما من يرسل للخارج، وكيفية ذلك؟ تحديد البلد، ولماذا؟ ثم هل هو مناط بقراراتٍ شخصيةٍ تتحكم في صحة الناس من قبل موظفين يعرفون فعلا ويقصدون حقيقة شفاء الناس، أم أنهم موظفون داخلهم الزهوُ بالنفس، وهذا الشرُّ المستطير: دوخانُ عنادِ وغرورِ السلطة؟ هل النظام الصحي يابسٌ خالٍ من الحسِّ الشخصي، والقياس الظرفي، والتغيرات التي تصيب الحالات المرضية وبالذات الصعبة منها؟ أسئلة كثيرة وحائرة..
 
قرأتُ موضوعَ "أبو عبد العزيز" في صحيفة "سبق" الإلكترونية لأن صديقا اطلع عليه، وهاتفني وهو في حالة من التعجب والدهشة (حتى لا أقول الغضب والاستنكار.. أو أنني قلت؟!) لم أصدق عيني، بصراحة لم أصدق خبرَ الجريدة.. لولا أن صاحب القضية واسمه المعلن في ذيل الخبر أبو عبد العزيز ترك رقمه في الولايات المتحدة للقراء. ولم أتوان في الاتصال للتأكد.. ووجدته، وعرفتُ أمراً أعظم: ابنته المصابة بمرضٍ عصابي شديدٍ أخذتها الكنيسة تحت كنفها للعلاج، وزوجته المصابة بمرض "الرحمة" قد تفشى لديها المرضُ لأن المكتبَ الصحي التابع لوزارة الصحة السعودية في واشنطن أغلق ملف علاجها أكثر من مرة.. وها هي الكنائس كما قال لي أبو عبد العزيز أخذت وثائقها من المستشفى لتقوم بالصرف على العلاج.. من يصدق؟ من يرضى؟ كيف وجد المكتبُ الصحي أن حالة المريضتين لا تستلزم إتمام الصرف عليهما، بينما ترى الكنائسُ وجوب ذلك؟! والطبيب اليهودي الذي أدخل مريضتنا السعودية إنسانيا تحت اسمه كي تستطيع إكمال العلاج.. (لا، لن أعلق!!)
 
لاحظتم أني ذكرتُ مرض "الرحمة"، وهو ما تطلب مني والدتي أن أسمي المرض الذي اتـُفـِقَ على تسميتهِ بالمرض الخبيث - السرطان. والدتي تقول: كل ما يأتي من الله فهو رحمة، ولأن الأمراضَ كلما توغلت واستعصت إنما تمحو مزيدا من الذنوب وتطهر الأعمال.. إذن فهو مرضُ الرحمة.
 
لقدعودتكم لسنين في "مقتطفات الجمعة" أن يكون كل مقتطفٍ عن موضوع أو خبر مختلف عن الآخر.. لكن شغلتني في الأسابيع الماضية مواضيعُ كبرى لأجد نفسي أتنقل بأخبار وتعليقاتٍ مختلفةٍ حول موضوع واحد.. وموضوع اليوم، موضوعٌ ثار أمامي فجأة، وكنت قد كتبت مقتطفاتٍ أخرى بنمطي التقليدي. مكالمة أبوعبد العزيز شغلتني، ليس فقط لأن قلبي لم يهدأ تعاطفا معه ومريضتيه، كما سيفعل أي واحدٍ منكم، ولكنها أيضا غيرة حارة على بلدي وسمعة بلدي، وعلى حكومتي، وسمعة حكومتي، التي بقرارتٍ خاطئةٍ، ولو غير متعمدةٍ، ولو من صلب نظام متعظم، تـُضرَبُ أمام الرأي العام الخارجي، وأمام أهل البلد، بقراراتٍ وراءها متصلبون متعظمون.. وكأن النظامَ هيكلٌ تـُقدَّم فيه الطقوسُ وبخورُ التقربِ وذُبـح القرابين.. هذا الذي يجعلك، كمن أصابه المَسُّ، تضحك حتى تحرقك الدموع.
 
كيف سنواجه الرأيَ العام في أمريكا؟ كيف ستتناولنا صحفـُها وإعلامُها، كيف سنقدم نفسنا أمام أنفسنا.. مريضةٌ سعودية تأخذها الكنيسة قسراً عن أبيها رحمة بها، وقالوا للأب لن نتركها تحت إشرافك فلا مال ولا تأمين صحي لديك، ولا من يتكفل بعلاجها من بلدك. وها هي للزوجة الآن تأخذ ذات المسلك.. يقول أبو عبد العزيز: "ومن المفارقة، أنني تعودتُ أن أجري، وأتصل من أجل معاملة ابنتي وزوجتي.. بينما الكنائسُ تقوم بكل شيء، وتتم بمندوبيها كل الإجراءات كي لا أبتعد لحظة عن مريضتـَيْ".
 
والله لو أن ما بهما إلا الزكام، فلن أتركهما للكنائس.. يا ناس.
 
والمصائبُ تأتي تباعاً.. وهذا من نتائج أي نظامٍ عظامي متيبس.. فأبو عبد العزيز يعمل في مرفقٍ حكومي كبير، فصل من عمله، لأنه بعد أن أُقفِل علاجُ ابنته وزوجته من قِبَل المكتب الصحي في واشنطن – كما قال لي - بُلـِّغ مقر عملِه، ولما مضت المدةُ "النظامية" ولم يباشر، تم طي قيده. أترى؟ إنه "سيزيف" السعودي.. العذابُ الإغريقي الذي كنا نظن أنه فقط في كتبِ الأساطير.. وإذا كهنةُ الأنظمةِ يُحيون الأساطيرَ من جديد..
 
وأبو عبد العزيز من ضيقٍ به لا يعلمه إلا ربه، صار يتلمس أي طريق ليُنقِذ مريضتيه وبلده.. لإعادة فتح ملف علاجهما، ومن أجل ألا يُقال إن مرضى سعوديين تتولاهم الكنائس لأن حكومتهم رفعت يدَها من علاجهم.. ( خصوصا وإن العلاج جاء بأمرٍ من الملك عبد الله.. ثم أنهاهُ الغيورون على النظام..)، ونشر حكايتـَه في الصحفِ ليتلمس عطفَ وزير الصحة، لينظر في موضوعِه، ولعل الوزارة تلاحق الموضوع، فالأمرُ ليس فقط موضوع شأنٍ علاجي صِرف فقد تعداه لطبخةِ فضيحةٍ ضدنا، وهل نحن ناقصون؟! والوزيرُ سيقدر ذلك لأن منصبه يتيح له الرؤية السياسية من منظور أكبر من مجرد نصوصٍ في نظام.
 
أتساءلُ: كيف يبقى المبدعون بتقديم بلادنا في الخارج والداخل بصورة متردية؟ فهذا في عرف أي بلاد في أي زمان أو مكان.. خطأ لا يُغتفر.
 
أتريدون معرفة معنى الكوميديا السوداء؟ لا، لن أرجعكم للمعاجم والقواميس، فقط سأنقل لكم آخر مفارقات ملحمة أبو عبد العزيز.. فهو تحت ضغط إقفال ملف مريضتيه، ولأنه يريد عدم التمادي مع الكنائس، قرّر العودة للبلاد.. ولم يعد يملك من حطام الدنيا شيئا. ولما طلب صرفَ تذاكر العودةِ قيل له: "لن تـُصرَف لك تذاكر، لأن ملفك أقفلّ!!.." هل أسمعكم تضحكون؟ أم هو نشيجٌ فيه البكاءُ أكثر من الضحِك..
 
أتفاءل أننا سننتبه لأمورنا، ونُخلص لبلدنا، ولناس بلدِنا.. وربما يثبت هذا التفاؤلُ في قضية أبو عبد العزيز.
 
في أمان الله..