مقتطفات الجمعة 44

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
أهلا بكم في مقتطفات الجمعة رقم 44 ، أرجو أن تنال رضاكم.
 
أعتذر عن عدم خروج "مقتطفات الجمعة" الجمعة الفائتة لظرفٍ صحي بسيط طارئ، ونعاودها اليوم بعد أن توقفت لأول مرةٍ منذ بدء خروجها قبل أكثر من خمس سنوات..
 
عائشة الشهراني، تـُقطـِّعُ القلبَ، وتـُفرح القلبَ معا.. ولا بد من عمل شيء لأجلها، ونحن هنا في مانيلا نحاول بقدر جهدنا واتصالاتنا أن نحرك موضوعها المؤلم. فهي في العاشرة من عمرها، من مدينة أبها، تقطع القلبَ لأنها تعاني الفشل النهائي لوظائف الكلى، فهي تحتاج إلى الغسيل الدموي الدوري، ولم تجرَ لها عملية ربط الأوردة لإيصالها بجهاز الغسيل، فأوصل عن طريق أنبوب برقبتها، إجراءٌ مؤلمٌ ويسبب إزعاجا للبالغين، فما بالك بطفلةٍ صغيرةٍ لم يعد جلدها يكفي لغطاء عظمها، وما تعانيه من مضاعفات الغسيل والمرض. عائشة لها أربعة أشهر في هذه الحالة في مستشفى بالعاصمة الفلبينية، وهي مؤهلة الآن جسديا لزراعة كلية، ولكن أوقفت الفلبينُ زراعة الكلى للأجانب، أو بحسب نسبةٍ محسوبة، وكانت بنتنا عائشة جاهزة قبل المنع ومسجلة في معهد الكلى هناك رسميا، وبالتالي تستحق الزراعة حتى مع الحظر، ومع النسبة، وسمح لزراعة عدة مرضى إسرائيليين، ومنع عن بنتنا بحجة النسبة.. نحاول مع سفارتنا ومكتبنا الصحي أن نزحزح الموقف، ولكن نحتاج من أجل الله ثم من أجل هذه البنت التي تتقلص ألما وإرهاقا كل يوم، ومن أجل أبيها المرافق لها من شهور، ومن أجلنا كلنا، أن يكون هناك تدخلٌ رسمي قوي مع الحكومةِ الفلبينية في تلبية طلب صغير، وجاهز للتنفيذ.. ولا يعتبر طلبا بمقاييس الطلبات الدولية، والسعودية قدمت للفلبين الكثير لما احتاجونا لمواطنيهم.. وأضمن من عندي هنا، وهو المفرح للقلب، أن الجهازَ الطبي متعاطف مع عائشة جدا، ويعتبرونها وردة المستشفى، ومستعدون أن يقوموا بإجراء العملية بمجرد إشارة صغيرة.. إشارة تنقذ حياة عائشة المعلقة بين الألم والألم في مستشفى، بعيدة آلاف الأميال عن وطنها.
 
قرأت كثيرا عن بلادنا وأنا في الخارج، وسمعت كثيرا، وجيدٌ أن ننظر خارج الإطار، لنرى كيف ينظر إلينا الآخرون، وكيف يفهموننا، أو كيف يحبون أن يفهمونا. والحقيقة التي يجب أن نعرفها، رضينا بها أم لا.. كسعودي لن يعجبك الكثير مما يقال عنا.. أحيانا يصوروننا وكأننا سرّ بلاءِ العالم. في جريدةٍ هندية تم تصويرنا بأننا منبع الظاهرتين العالميتين الإرهاب والغلاء، وفي مقابلةٍ بمحطة سنغافورية شن اقتصاديٌ حربا كلامية ضد "دولة استيقظت يوما فوجدت البترول تحت قدميها ثم وضعت العالم أيضا في ذات المكان!".. وما قرأت شيئا منصفا إلا في بعض مقالاتٍ في الصحف الفلبينية، التي وصفت السعودية بأنها حجر التوازن في أوبك، وأنها تهرع لإنقاذ العالم من كساد لا يبقي ولا يذر، ولكنها تواجه عواقب، وبرأت مقالة في جريدة منتشرة في الأرخبييل الفلبيني، من أي علاقة للسعودية بأي عمل إرهابي في المنطقة الجنوبية في مينديناو، حيث تنشط عصابات (أبو سياف) الاسم المخيف الأول في الفلبين. والأفراد العاديون الذين أقابلهم يحملون في كل بلدٍ هذه الصورة النمطية عنا. فالسعودي هائلُ الثراءِ، ومن أسعد الناس حظا، وأنه لا يعمل، لأنه لا يحتاج إلى أن يعمل، فكل شيء تعمله له النقود.. وسئلتُ في مقابلةٍ مع طلبة جامعة فلبينية شهيرة: "يبدو أنك قرأت كثيرا من الكتب، فَلِمَ تتعب نفسك بالقراءة وأنت سعودي؟" (وكأن كلمة سعودي أضيفت كمفردة قاموسية مرادفة لكلمة ثري).. أجبت: "لو كان صحيحاً أن حجم من يقرأون يتناسب عكسيا مع حجم الثروة في أي أمة.. لكان السعوديون هم من أفقر شعوب الأرض!"
 
المقتطفُ السابق يحثنا كثيرا على التفكير بإجابةٍ لسؤالٍ مهم، كمدخلٍ لتشخيص ما يلحق بسمعتِنا بالخارج، والسؤالُ هو: ما العمل الخاطئ الذي قمنا به؟ أو ما العمل الذي لم نقم به، وكان يجب أن نقوم به؟ وهذا السؤال يتطلب أولا مصارحة معنا، بداخلنا، في حواراتنا، في صحفنا، في مجالسنا، في هيئاتنا الرسمية، وأن ننهي بشكل نهائي سلسلة النفاق والمجاملات المقولبة التي لم تؤهلنا إلا لفقدان الارتكاز المنطقي لقياس سمعتنا بالخارج، وقياس سلوكنا الحقيقي في الخارج وفي الداخل.. إن البدء في تصحيح السمعة، ليس في نقض ما يقال في الخارج لنا في الداخل، فهو لا يعدو عن لعق الجرح الملتهب، ولكن بتعديل السلوكيات أولا على كل الأصعدة.. ثم فهم عملية صياغة الدعاية الأممية، التي نجحت بها للأسف دولة كإسرائيل، التي ليس لديها إلا تاريخ الدم والاحتلال والتعذيب، ثم ترى أن لها في الخارج سمعة البرتقال والجلباب والأعناب.
 
من لا يؤمن أن الروحَ الوطنية تقود إلى النصر، فعليه أن يراجع نفسَه بعد فوز تركيا على التشيك في الملاعب السويسرية في المسابقة الأممية الأوروبية القائمة حاليا.. ما الذي جعل الأتراك ينتفضون فجأة، وكأن روح الإنكشارية الجندية القديمة استيقظت في وجودهم، وقادوا طريقا رائعا من الخسارة المحققة إلى النصر المحلِّق؟ فبعد أن كانت التشيك اطمأنت أنها سجلت هدف الاطمئنان، إذا برياحٍ خفيةٍ لعبت بجانب الأتراك، وهي الرياح الوطنية، فقد انقلب الأستادُ السويسري بجماهيره التركية إلى لُحمةٍ تركيةٍ ملتهبةٍ واحدة، وحرث لاعبو تركيا الأرضَ، ونبتت لهم أرجل جديدة، وجندلوا التشيك. لذا، فرحتي كبرى بعودة الجوهر لتدريب المنتخب السعوي، ولطالما ناديت بمدربٍ وطني، ولو قلـَّت كفاءتـُهُ عن الأجانب، لأن هناك عنصراً لا يقدَّر بثمن لا يقدمه إلا سعوديٌ لسعودي: الروحُ الوطنية!
 
فقد الشاعرُ "ناصر الفراعنة" ابنـَه الذي وُلـِد ميتا، فرثاه: ومات، توِّي ما بعد بيدي لبـَّـسته نعُـوله، مات، تـوِّي ما بعد سوِّيــت في ثــوبــه زرارهْ كِن عينه يوم مات تقول: بابا، ويش هو له يوم تبكي، وأنت تدري مِن أنا ذا الحين جارهْ
 
في أمان الله..