مقتطفات الجمعة 212

سنة النشر : 18/03/2011 الصحيفة : الاقتصادية

 
أهلا بكم في مقتطفات الجمعة 212 .
 
حافز الجمعة: أي وطنٍ يعني ثلاثةُ عناصر: الأمانُ، ثم الأمان، ثم الأمان..
 
لما تقف من مَشْرَفِ الخلود الذي يطل على النهر الأزلي للحياة، فإن المسارَ النهائي هو أن يتجه تيارُ الأحداث إلى مصب تتجمع به دِلتا إيجابيةٍ من نهاياتٍ سعيدةٍ. رغم كل ما نراه في اللحظة الزمنية من مآسٍ وكوارث وتمزق نشعر أنه يهدد بنية وجودنا، فلا يجب أن تؤرجحنا الظروفُ الآنية فوق نار الخوف والترقب.. كل شيء سينتهي على خير. كلما حلـَكـَتْ الدياجيرُ فما هي إلا تباشير أول أنوار الفجر.
 
في اليوم الحادي عشر من شهر مارس من سنة 2011م فلقَ زلزالٌ ماموثيّ سواحلَ اليابان، بلاد الشمس المشرقة، ورفع غطاءَ قمقم قاع المحيط عن اندفاع موجةٍ تسونامية بحجم الجبال وبامتداد يربط الأفقَ بخط المحيط، بلعَتْ كل ما اعترض طريقها من سفن وقوارب وجزر وأرخبيلات متناثرة بمن فيها وعليها، ومحت بلحظة عشرات المدن والمرافق الحضارية لواحدة من أعلى حضارات العالم والتي بنيت من عقود.. وكأن اليابان لم تكفها الأعدادُ المتعاظمة من الأموات حتى فلت من عقاله فخرُها الأكبر؛ مولداتها النووية، ورغم حجم الماء الذي يغطي القمر إلا أنه امتنع عن المفاعلات ليرتفع صهير الحرارة وتنفجر فِطراً ذريا، يطلق إشعاعاته خارج كل محاولات مستميتة للسيطرة. الإنسانُ أمام جبروت الطبيعة في كل فخامة ما أنجزه لا يعدو قشة هزيلة مرتعدة.. فقط تنتظر قصفها. متى يتعلم الإنسان أنه وعظمة ما يتخيله لا يعدو قشة!
اليابانُ أمّة كل عمرها فخورة متغطرسة متفردة الكبرياء، هذا الوجه الآخر الحقيقي لليابان، واقرءوا تاريخَ اليابان القريب، اقرءوا عن عهد "الميجي" الذي امتد قصيرا من عام 1868 إلى عام 1945م، وحفر عميقا كأخدود في النفس والحضارة اليابانيتين، حيث يبدو استعلاء وترفع الياباني. حرص الميجي على بناء أعظم قوة بحرية لتمتد إمبراطوريته في أوقيانوس الهادي عبر كوريا والهند الصينية والجزر الفلبينية وما يسمى آنئذ ميكرونيسيا وتايوان، والهند الصينية ( فيتنام، كمبوديا.. ومناطق متاخمة)، ومستعمرات الهولنديين والإنجليز في خاصرة الهادي، وفي منشوريا ومعظم الصين، وأذاقوا شعوبَها ذل الكبرياء وسحق عنصر لعنصر، وما زالت محاكمات دائرة ضد اليابان، وكتابٌ أسود في التاريخ الكوري عن الاستعمار الياباني.. ثم انتهى كل هذا بلحظةٍ صاعقةٍ شرخت وأذهلت النفسية اليابانية الفخور، واليابانيون يعتبرون إمبراطورهم ابنا للآلهة، حين خضع "هيروهيتو" ابن الشمس المقدس والمبجل والعظيم الاقتدار كما يلقب كآخر ميجي، تحت القدم المرفوعة، فوق الطاولة والموجهة أمام وجهه، للجنرال "ماك آرثر" الأمريكي الصَلـْف.. حين وقـّع بعين دامعة ويد مرتعشة وثيقة استسلام أمة اليابان، ونهاية إمبراطورية الميجي.. درسٌ قريب، قريب جدا.
 
كنت أيام الدراسة المتوسطة والثانوية أعمل كطالب صيف في شركة الزيت العربية اليابانية بالخفجي، وكان اليابانيون لا يظهرون علينا، ورغم ما نسمعه عن التهذيب والانحناءات، كانوا يحاصرون أنفسهم بمنازل وأندية بعيدة عن بقية العاملين السعوديين والكويتيين والعرب وغيرهم.. وكانوا مترفعين مكشرين ولا يلقون التحية، ويتجمعون حول أنفسهم كأنهم جنسٌ مُطهَّر لا يتدنس بالآخرين. واليابان تفوقت في الصناعة والحاسوب من الستينيات، وبقيت تعزل نفسها عن العالم سياسيا وحتى في المعونات والتواصل الدولي.. ورأت العالمَ سوقاً كبيرا فقط. ثم اعتمدت على الحاسوب كأكثر أمة على الأرض، وبرمجت حتى الفرد.. الآن عرفت اليابان معنى التواصل العالمي وأننا مهما عظمنا ما نحن إلا قشات تريد أن ترتبط بحزمة من القش لتنجو، لتطفو، لتتماسك، لتحيا. وبقي الحاسوبُ، مهما طوَّر، أمام العقل والعاطفة الإنسانية لا شيء. سيبقى الحاسوبُ دائما آلة تحسب.. فقط.
 
اليابان أمة عظيمة وراقية، وأثبتت أن الإنسان يمكن أن يصنع المستحيل، بل أكثر من المستحيل، ولكن بحجم تصوراتنا البشرية، لا بحجم الكون، لا بحجم الأرض، لا بحجم زلزال، لا بحجم موجة.. فسبحان الأقوى!
 
في جمعية العمل التطوعي بالشرقية قدم الشبابُ اقتراحا تحت رؤية الشاب "فهد الموسى" لبرنامج تطوعي لمساعدة اليابان بما يستطيعون، وهم سيُجرون ما تتطلبه الأنظمة.. وهنا بشر بقلوب وعقول بشرية، تتعامل وتتأثر مع عقول وقلوب بشرية هناك، مهما اتسع البحرُ وتمددت الأرضُ وتفارقت الحضارة.. هنا يكون الإنسان أقوى من قشة!
 
والمُهم: رب فك أسر كل العرب من مآسيهم ومعاناتهم، اللهم أعد للبحرين أمنها، واحفظ لنا أمننا.. ربّ لا تجعلنا قشة في مهب المصير!
 
في أمان الله