مقتطفات الجمعة 216

سنة النشر : 15/04/2011 الصحيفة : الاقتصادية

 
أهلا بكم في مقتطفات الجمعة 216 .
 
عندما تغيبُ نجمةٌ في سُدُمٍ بعيدة الغيبة الأخيرة، تكون الإضاءةُ الأكبر.. وكأنها لمعةُ سِنِّ ابتسامةٍ في فمٍ كونيٍّ ساحق العتمة.
 
وهذا صحيحٌ حرفياً فعندما تبلغ النجمةُ الثواني الأخيرة في حياتها، فإنها تشكل بنفسها في جوفها عنصرَ الحديد الذي سيفجرها بالحال، وكأنه انتحارٌ مخطـَّط.. عمرٌ ببلايين السنين ينتهي في ثوان.. ثم تنفجر انفجار الموت وتضيء مساحات لا تدركها كل حواسب الأرض، وتصلنا بعد ملايين ملايين السنين الضوئية. الابتسامةُ الكونية.. ميلادٌ من موت، موتٌ من ميلاد.
 
طالبني قراءٌ عديدون، وألحوا أن يكون المقال القادم مُبْهجاً ومرِحاً. سأحاول اليوم، ولكن سيكون طرائف من معانٍ تدلّ على معان تغلفها الفكاهة. من قارئة صغيرة سمت نفسها "قلب صغير" علقت من ضمن تعليقات مقالة أم سعود الإثنين الفائت تقول: "بابا نجيب قلبي الصغير لم يعد يحتمل فأنا صغيرة جدا. أبكيتنا في مقالات متتابعة.. وقلبي الصغير تعب من البكاء.. فرّحني الله يخليك".
 
نعرف عن "ابن رشد" معارفه العميقة، وأهمها معرفته بالفقه وعلم الكلام وشرحه لأرسطو ودراسته للطب، وقال عنه "ابن الآبار": "إنه لم يدَعْ القراءةَ والاطلاعَ منذ عَقُلَ إلا في ليلتين، ليلة وفاة أبيه، وليلة بنائه على أهله "يعني ليلة دُخْلِته!".. ومن يقرأ لمستشرقين كبار مثل "بروكلمان" و"رينان" سيجد أنهما اتفقا بأن "ابن رشد" فيلسوفٌ تعمّق بكلِّ علمٍ معروفٍ في زمانه؟ طيب، ربما سألتم: "وأين الطرفة هنا؟".. أقول: "صبركم علي". ابن رشد نُكب نكبة حزينة وبما أننا لن نحزن اليوم فلن نرويها. من أسباب نكبته ما قاله لنا "عبد الواحد المراكشي" في كتابه "المُعجب في تلخيص أخبار المغرب" حين ذكر: "أهم أسباب نكبته ـــ أي ابن رشد ــــ أنه وفي شرحه كتاب "الحيوان" لأرسطو قال حين ذكر الزرافة الآتي: "وقد رأيتُ مثلها عند ملك البربر" وحيكت حوله مؤامرةٌ بتهمة أنه "غفل عمـّا يجب عليه من تعظيم الملوك عند ذكرهم".. فراحَ المسكينُ فيها!
 
وكتابٌ غريبٌ عجيبٌ للجاحظ اسمه "كتابُ النساء"، وكان الجاحظ منافحاً مدافعاً عن المرأة، ولو كان في زماننا لتحالف مع صديقنا الكبير "آل زلفة" في المطالبة بحقّ قيادة المرأة لسيارتها.. وشؤون أخرى. أخذت الحماسةُ بالجاحظ ليثبت أن اللهَ يفضّل المرأة على الرجل، واستدلّ كاتباً: "إن اللهَ تعالى خلق من المرأة ولداً من غير ذكرٍ، ولم يخلق من الرجل ولداً من غير أنثى. فالله خلق المسيحَ في بطن مريم من غير ذكر..". أظن الجاحظ أسكتكم بقوةِ حجّتِهِ يا.. ذكور!
 
وعلى فكرة.. لم يصل لنا "كتابُ النساء" إلا ممّا ذكره شخص اسمه "حسن السندوبي" في كتابٍ له أسماه: "رسائلُ الجاحظ" نشر في القاهرة على ما أظن في عام 1935.. وإني أتساءل لماذا لم يصلنا هذا الكتاب بالكامل كما بقية من كتبه؟ السببُ عندي واضح: ابحث عن الذكور!
 
يقول معلمنا الدكتور زكي نجيب محمود إن "المبادئ" من الكلمات التي امتزجت بمشاعر الناس، كأنما هي من المقدّسات. تعالوا ننظر لأكبر مُنـَظـِّرَي مبادئ السياسة، وهما قطباها الأكبران "هوبز" و"لوك". "هوبز" يقول: "إن المبدأ العادل أن يكون الحكم للأقوى، وأن الأقوى إذا ظفر بالسلطة لم يعد من حق الشعبِ المحكوم أن يقيله أو يعترض عليه". وإني إذن أتعجب من الشعب اليمني والشعب السوري لأنهم لا يقيمون احتراما للمبادئ. وغلطة الأسد وصالح أنهما لم يدخلا مبدأ "هوبز" في مادة التربية الوطنية في مناهج بلديهما الدراسية. أما الآخر "لوك" فيقول: "إن المبدأ العادل للحكم هو أن يختار الشعبُ حاكمَه. والأفضل أن يحكم الشعبُ نفسَه بنفسِه!" وهنا اشتعلتْ لمبةٌ في دماغي: "ياه.. معك حق يا معمّر!"
 
لا أدري كيف ستصنفون هذا المقتطف. كان مؤدّي الأوبرا الأشهر "جيلي" Gigl يشدو على منصة أكبر مسارح روما، وتقدّمَ، فتعثّرَ.. فوقع من فوق على الجمهور، هرب كل المشاهدين ماعدا امرأة مُسِنّةٍ تقدّمت وتمدّدتْ على الأرض ليقع عليها. ولما شُفي أطرب كل إيطاليا بأعظم أغنية شهدتها في الخمسينيات. كان عنوان الأغنية: ماما!
 
والمُهم: لو سألوني عن أحلى كلام سمعته همساً، فهو لما جرّتني أمّي من أذني وهمسَت: "ما أحبك!".
 
في أمان الله..