الماء عذب ولكنه صعب

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية


وكأن صباح اليوم (الأمس عند قراءتكم المقال) كان تآمراً مائياً. وأزعجني هذا التآمر، ولكم تمنيت أن لو كانت هناك حنفية ممتدة من قلبي لتصب هذا الانزعاج وتهدره للخارج .. كما أزعجني الماء الذي يهدر من المواضئ في مسجد توضأت فيه فجرا، وخرجت أدور في الحي وإذا بمستنقعٍ من الماء وكأن السماءَ أرسلت مطرا، وبما أن دروبَنا لا تبتلع الماء، وهذا حرص هندسي فريد يعيد تكراره بنجاح مصممو الطرق لدينا، ولكن لم يكن الماء من السماء.. ولكن من السائقين الذين يكلفهم أرباب عملهم بغسل سياراتهم وسيارات أولادهم .. ( وترى الهدرَ الكبير فالسائقون يغسلون السيارات بماءٍ يتدفق عذبا زلالا من خراطيم المياه "ليحمموا" السيارات المتأنقة المغناج ، فيسيلُ الماءُ من على أبدان السيارات بركاً في الطريق .. كم لتر؟ لا تسألني.. قل لي كم طن؟ أما الهدرُ الآخر، فهي هذه الطاقاتُ الشابة نؤومة الضحى، بينما يُنهـِك السائقون عضلاتهم على سياراتهم مسجلين كسلا مخزيا، ليخرجوا بعد ذلك بدون تريض ليتمططوا بسياراتهم.علمنا أولادَنا الكسلَ ثم نلومهم!)..

المهم أن التآمر المائي لم يكف، فالحديقة غير المنظمة تتسرب المياه بها من الخراطيم البالية من عهود بائدة إلى غير مصابها بسباق لا يهدأ مع الهدر.. دعونا نسجل أنفسنا في القائمة الدولية لهدر المياه! رجعت لبيتي، وبعد الجلوس مع الوالدة التي تطلب مني الاستماع معها لمحطة القرآن الكريم، كالعادة أذهب لغرفة مطالعتي مغسول القلب ناسيا الانزعاج من التآمر المائي. هه! ومن قال؟ التآمر ما زال "جاريا"! أخذت كتابا لرحالة أمريكي من علماء المصريات، وهو مولع بالهيروغليفية لدرجة أنه يقول لو لم يكتب كتابه بالإنجليزية لتمنى أن يكتبه بخط يده على ورق البردي بالهيروغليفية. المهم، فتحت الصفحة الأولى من فصل عن العبقرية الهندسية عند الفراعنة، وأجد أن الرجلَ عنصرٌ رسميٌ ضمن التآمر المائي الدولي والتاريخي ضدي، فهو يبدأ بهندسة الري وبتقديس الماء عند الفراعنة ممثـَّلا بالمجرى المائي العظيم، النيل. وبدأ المقدمة بترنيمة عند الفراعنة احتفالا بماء النيل وهي موجودة ضمن تلك الحروف التصويرية والمنحوتة على جدران المعابد. القصيدة تترجم كالآتي، ومن يجد ترجمتي "عسرة" فالملام هو التآمر المائي: "أيها النيل يا باعث الحياة، يا ساقي الصحراء، يا ابن الأرض البكر، أنت الذي تقدم لنا الحبوب، وتنشط البيع والتجارة في الأسواق، يا سيد أحياء الماء، يا مشجع الأطيار المائية على التحليق، يا منتج الزرع والضرع، إن تباطأ ماؤك أو جف عطاؤك أجدبت البلاد، وناح الرجالُ والأطفال .. فأنت جالب العون والغوث، وأنت محضر الطيبات والرزق...".

ستواجهنا حتما خلال العقود القادمة تحديات ندرة الماء، وأرجو أن أكون دقيقا كي تفهموني، فأنا لا أبشر بالنضوب، ولكن بالتحديات التي تذر علينا من أفق قريب ولا بد أن نقف أمامها ونصدها حتى لا يأتي النضوب.. على أني لا أملك دليلا تفاؤليا حتى الآن، وأرجو أن أكون مقصرا في البحث عن أدلة تفيد أننا نتقدم في مسألة صيانة المخزون المائي، وتطوير الشبكة التوزيعية، وتعزيزها بالنظم التكنولوجية للتحكم والترشيد والتوزيع، ولا أعرف بحد علمي أن مراكز استراتيجية أقيمت للبحوث المائية تخصص لها الميزانيات الكبيرة، والعلماء، والتبادل العلمي مع دول العالم المتقدم في بحوث المياه ، دول مثل أستراليا التي تعاني من أزمة المياه الخانقة في كثير من مناطقها كما هي الظروف التي تواجهنا في الخليج. وأن يُعلن عن خطة قومية منظمة وقابلة لقياس النتائج وتسجيل المعدلات، وتطوير كفاءة تقنية تحلية المياه، وهذا ما يجب أن نعلقه في عقولنا بأنه خيار مصير وبقاء. فتقنية المياه الحالية قديمة، ورتم تطورها العالمي بطيء، (لأن العالم المتطور لا يحتاج إلى العيش على رفع هذه التقنية، والمياه تتفجر عندهم كعروق متعافية في أديم الأرض.)..

ليس مستحيلا أبدا أن يعكف علماءٌ من عندنا والخليج والعالم لرفع هذه التقنية أداء وتقليل تكلفتها أضعافا، فنحن لن نسبح في موارد النفط إلا لزمن يسير في عمر الأجيال، وبعدها إما أننا وجدنا حلولا كي نروي أنفسنا وأرضنا.. وإلا.. فإنه العطش العظيم. ودعوني أؤكد أن تعلقنا بالماء ليس وليد اليوم، فالغرابة أننا لم نتخذ قرارا مصيريا حوله إلى اليوم.. ومن القديم، وعرب الجزيرة يحلون اللغة بوصف "ماء السماء"‘ حتى أن قوما من العرب يسمون ببني ماء السماء. وسموا المرأة الحسناء "ماء السماء".. ولماذا نبعد؟ فكلمة "غوث" التي تعني العون أليست من الغيث .. ماء السماء؟! في تعليمنا للصغار، من الآن يجب أن نزرع في أدمغتهم مدى قيمة الماء وفداحة خسارته، وألا يصل لذاكرتهم ووعيهم أبدا المثل الذي نقوله ونحن نعلك ألسنتنا إذا استبسطنا شيئا أن نقول " أسهل من الماء" .. من الآن وصاعدا، المهمة الصعبة والحيوية.. هي الماء! نعم، من الآن وحتى نستعد لتحديات الأيام القادمة، يجب أن نرفع شعارا لا مزاح فيه هو:" الماء عذب، ولكنه صعب!"