بلادنا في غاية الكمال صحيح؟!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
فيما يخص وضع أمتنا هناك بعض الأشخاص في سعي إلى طموحٍ لا يمكن الوصول إليه، بل من الخطأ التفكير فيه. محاولة تحقيق هذا الطموح قد تقودنا إلى عكس الطريق تماما، إنهم هؤلاء الناس الذين يريدون أن يتصوروا البلاد في غاية الكمال. نقول لهم مستحيل، ولكن..
 
الأخطاء يجب أن تحدث، بل الأخطاء هي الطريق الذي نرصفه كل يوم لنسير عليه، هي الطوب الذي نبني منه بنيان معرفتنا وتجربتنا وخبراتنا، لذا من يحاذر الخطأ ليبدو كاملا أمام عينه أو أمام أعين الآخرين، سينتهي في جزيرة ضيقة، وإنجاز أضيق، لا الجزيرة الضيقة، ولا الحيز الأضيق هما من أدوات الظهور بالكمال.. هذا إن لم يكونا من معاول هدمه.
 
كل ما علينا أن نعمله من أجل بلادنا ومن أجل أنفسنا ومن أجل كل من نحن عنهم مساءلون، أن نحرص بدقةٍ وثباتٍ ورؤيةٍ للعمل الجاد، وهذا العمل الجاد لا يكون إرهاقا للنفس من أجل نتيجة مظهرية، أو من أجل صنع تلة من الرمال نخبئ وراءها نقائصنا وعيوبنا، إنما هو العمل الجاد المبني على الهدف الواضح الصحيح المنتج النافع، الذي يأخذ الأمة درجة درجة. ولا نستحي لحظة أننا في هذا الصعود تنفر أخطاؤنا، وتطير الثياب عن أعضائنا المعيبة، لأننا ماضون في إصلاحها وتقويمها فلا نبالي ما دمنا نتسلق إلى أعلى السلم.
 
وهذا العمل الجاد المستنير يتطلب أن تـُدرس هذه الخطوات العملية بجدية وبالطرق الأفضل، سواء كانت في تطوير الكتب أو المراجع أو المدارس والمعاهد والجامعات أو في تطبيقات الميادين العملية وتجاربها، أو في الاستفادة من علم الآخرين وتجاربهم، أو بكل هذه العناصر أو بعضها مجتمعة. أتمنى أيضا أن يدرك كل واحد منا أن الأمة هي مجموعة من البشر، أي كما أن كل واحد منا عليه أن يراعي أنه إنسان، والإنسان بطاقات محدودة، والتعدي فوق هذه الطاقات يعني تحميلا زائدا من الطاقة قد يؤدي إلى تعطل الطاقة كلها، تماما كما يحدث للشبكات الكهربائية عندما تزيد أحمالها فوق سعتها، وتكون النتيجة .. الظلام! وهكذا الأمة لها طاقاتها فلا يجب أن نطلب لها السماء دفعة واحدة، وهي بعد لم تتقو أجنحتها للطيران.. علينا أن نفهم القواعد المنطقية الحتمية في أي عملية تطورية وتطويرية. ونحن نخادع حتى قوانا المتوافرة لنطلب من أمتنا أن تبلغ قمة الجبل من دون آلام الصعود ومشقته فقط لأن لدينا مصدرا ماليا وفيرا الآن، لأنه لا المال يقدر على التسلق وحده، ولا يعني أننا وصلنا أية قمة إذا استأجرنا بأموالنا من يقوم عنا بعملية الصعود.
 
إن استعمال أي طاقة أكبر من جهدها، أو وضعها في غير محلها، أو تسريع أدائها هو مثل التغذية بالهرمونات الممنوعة والضارة. ونقيس مرة أخرى بالأفراد لنعرف من ذكرياتنا وتجاربنا الخاصة، ونعرف من السجلات الطبية في المستشفيات وعيادات النفسانيين أن كثيرا من الأذكياء الجادين أرهقوا أنفسهم سعيا إلى الكمال، وهم في طريق المستحيل تعطلت خطاهم فوقفوا تماما، شـُلـّوا! لأن الساعي المتحمس للكمال، لا يتحمل المنافسة أو لا يتحمل أن يتفوق عليه أحد، وهذا مستحيل، لاختلاف إعداد الأفراد واستعداداتهم. وبينما تجري الماكينة ذات الطاقة الحصانية الكبرى بأقل من خمس ثوان لتصل لسرعة المائة ميل في الساعة، فلا يمكن أن تحاول ذلك في ماكينة بالكاد تجر حصانا واحدا.. وكذلك لا تقبل أن تعبر شاحنة سمينة المسافة نفسها في الوقت نفسه مقارنة بسيارة رياضية متغطرسة، هي مقارنة لا تجوز، كمقارنة المستحيل بالمستحيل.
 
وهي القدرات التبادلية والتعويضية، أي أن تستفيد من مكامن قوتك، ولا تحاول عسرا أن تجبر مكامن ضعفك على أن تنافس مكامن قوة الآخرين. ونرجع إلى مثال الشاحنة والسيارة الرياضية، فبينما من العبث والاستهتار أن تحاول الشاحنة افتعال سباق مع العربة الرياضية، ولكن من الممكن للشاحنة أن تحمل السيارة الرياضية أو تحمل عشر سيارات مثلها، ولا يمكن للصغيرة الرياضية حمل حتى عجلة واحدة من عجلات الشاحنة.
 
هذا هو السر، أي ألا نحاول المستحيل، أولئك الذين حاولوا أن يتغلبوا على قوة الناس بمراكز ضعفهم أصيبوا بالانهيارات العصبية. فعلى الواحد إذن أن يعرف طاقاته، وعندما يعرفها يوظفها كلها في سبيل عبور الطريق المحدد لهدفه هو، لا أهداف الآخرين ..هذا مهم، لن تصير رياضيا ناجحا وأنت بقدم مسطحه، ولكنك بإمكانك أن تكون عالما رياضيا أو محاميا أو فنانا لأن العقول لا تخلق مسطحه.. وهذا هو أيضا حال الأمم! حين نعرف الطريقة لإخراج طاقاتانا الحقيقية، لا التوهمية، لا أكثر ولا أقل .. فإن هذه المعرفة هي معبرٌ نحو الكمال!