أطلـِقْ يديَّ
سنة النشر : 01/05/2009
الصحيفة : الاقتصادية
كتبتُ عن الشباب في هذا البلد وقضاياهم في أكثر من مقال، وتحدثت عنهم وحولهم في أكثر من مناسبة، وكتبت مرة أننا نسرف في لومهم، والتحسر على طاقاتهم في هدرها بهذه الصرعات المبتذلة من الإسفاف في المسلك وفي المظهر وخواء القلب والعقل.
وقد وقفت محتجا على هذا اللوم، لأوجه سؤالا لنفسي وللمجتمع ماذا قدمنا للشباب أولا حتى نبدأ حملات اللوم والتقريع؟ ماذا قُدِّم لهم سوى الخواء، سوى الإسفاف في برامج التلفزيون من المحطات التي تبرز برامج الشباب بالموسيقى والغناء الناعق، وبالتصرفات المتكسرة خلاعة وميوعة، وسقوطا في تقديم أفكار شبابية عصرية، إن كانت هناك أفكار في الأصل! ولم أجد صحيفة أو مجلة تقدم للشباب المراهقين والمراهقات إلا ما يؤجج سعير هذا الفرن من الهرمونات الفائرة في أجسادهم..
فناديت ببرامج وصفحات في الجرائد متخصصة، يقدمها الشباب ويحررها الشباب ويكون مراسلوها من الشباب، تعنى بالثقافة والشأن الروحي والاجتماعي، وتغطية الفعاليات المحلية، والمشاركة بالرأي، لإنضاج شخصية المراهق وإعداده لأمرين: الاستقلالية الشخصية، التي تعني الاعتماد على الذات، وبناء الرأي والقدرة على الإبحار بيسر عبر موج بحر الحياة، وليكون في الأمر الثاني مسهما إيجابيا في المجتمع المحيط، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، قرأت مقالا في جريدة غربية عن أن "السعوديين ناموا طويلا، ثم استيقظوا على ما يسمونه الحوار الوطني، ولكن كردة فعل على الضغوط التي تصب على رؤوسهم من أكثر من مكان، وأكثر من سبب. أين كان الحوار أثناء ذلك السبات الطويل؟ "
.. سؤال محير بالفعل، هل ما نقوم به من محاولات حثيثة لتفعيل الحوار وبناء تقاليده السليمة والرفيعة هو مجرد ردود أفعال؟.. ويتصل السؤال بالتداعي، هل ما نقوم به من إعادة هندسة بناء مناهجنا التعليمية أيضا مجرد ردة فعل.. هل يصدق فينا قول تلك الجريدة: "السعوديون مجرد شعب من ردود الأفعال" ؟
.. لابد أن تساؤلات مثل هذه تعلق في جدار الذهن كما يتعلق العلق اللزج ولا ينقشع.. لا أريد الإجابة عن هذا السؤال لأن فيه كمين دفين، والذي يهمنا هو الفعل في حد ذاته إن كان صحيحا أو غير صحيح، وهذا ما جلب إلى ذاكرتي ما حدث قبل ثلاثة أعوام، وأكد أن المهم نتيجة الفعل، وليس ماذا كان السببُ وراء الفعل! أتذكر أني وقتها قد دعيتُ مع من دعي إلى ندوة حوار بين طلاب، أقامتها إدارة التعليم في المنطقة الشرقية، وكانت الفكرة رائدة بحق، مجموعة من شباب المدارس الثانوية في أوج العمر الزاهي يتحاورون أمامنا عن الحوار ومعنى الحوار.. وكنت أتثاءب قليلا قبل بدء البرنامج، فأنا مثل غير قليل منا مللنا روتين البرامج والندوات المكررة والقوالب الجامدة، التي إما تخدر المشاهدين، أو تقع على رؤوسهم أحجارا من رواجم الملل، والكلُّ ينتظر الفرج حين تُعلن نهايةُ الندوة أو البرنامج.. على أنني لم أستطع أن أسأم ولو لبرهة بحكم العادة! كنت طوال الوقت كما يقول الغربيون على أطراف أعصابي من التيقظ، والإعجاب ومع كثير من الانبهار، وأضف عليه الفرح الذي يجعلك تفرك عينيك غير مصدق ما تراه.
شباب صغار، تحدثوا بطلاقة، وبعربية صريحة، وبفهم مستقيم، وبتهذيب حواري عال، وبثقافة لافتة، بل لافتة جدا! تصور أنهم أخذوا كلمة "الجدل"، وفككوها، كأحسن ما يفعل النقاد التفكيكيون، واطلعوا معانيها وأزلوا لبس فهمها، وأيدوها باللغة والمنطق وأمثلة وشواهد بآيات من القرآن الكريم عفو الخاطر، وبحضور سامق للبديهة.
تكلموا وأفصحوا بلا مواربة، وبلا فجاجة عن ضعف الحوار في مجتمعنا، ووجهوا لنا نحن الكبار أصابع اتهام متوارية – وبذكاء لا يخلو من العتب – بأننا أسهمنا بتربيتنا وبطبعنا وبخوفنا وبتخوفنا من الحوار، وألقمناه لأبنائنا وأجيالنا الطالعة المتفتحة، ولذا أسكتناهم، كما أسكتنا أنفسنا عما يقرع الأبوابَ في داخلنا من الاحتجاج، وطلب الفهم، والتنفيس عن البخار الذي يغلي في أدمغتهم وفي أدمغتنا.. هذا هو الذي ولد الصمت الظاهر، والغضب الباطن، الذي كبر فيما بعد احتجاجا تفاوتت درجاته من الرفض، إلى تجنب المجتمع، ثم الغلو والتكفير، ثم ما صار من الترويع الذي خلع النفوس.
وكنت أتابع الندوة وكأن غشاوات تنقشع عن عينَيْ. لأول مرة نواجه الشباب أو بالدقة هم يواجهوننا ونسمع ما في داخلهم.. علمونا أن ننزل من عليائنا التصوري بأننا الأعقل والأعرف بمصلحتهم، وأن عليهم أن يغلقوا أفواههم، ويعطلوا أفكارهم، ويتبعونا منقادين فنحن فقط نعرف الطريق، فنقوم بالتفكير عنهم، والكلام عنهم. هاهم يعرفون الكثير، وهذه المعرفة لا ينقصها إلا أن تصقل بالخبرة في مقابلات الحياة.. كان يجب أن نعرف أن لهم القوة لكي يعرفوا، فننزل ونتحاور معهم ثم نرتفع معا لنعطيهم من خبراتنا كزاد لهم في طريق الحياة، ونتركهم يمضون بثقة وعيوننا ترعاهم، بشرط أن تترك أيادينا أياديهم، لينطلقوا.