سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
الخبر مدينة في المنطقة الشرقية من السعودية، في غاية الأناقة والترتيب خصوصا في أحزمتها الخارجية.. ولكن هناك، عتبة، شارع، مسافة صغيرة تنقلنا من عالم إلى عالم. ولما تسني لي الدخول على العمل الاجتماعي أقدم بين أياديكم ثلاثة مشاهد ضمن فصل واحد، ثم نتعرض لها بإيقاع سريع.
المشهد الأول: .. الثقبة بلدة تكاد تكون حيا تابعا للخبر، إلا أنك تنتقل من جوٍّ إلى جو، من مناخ ٍإلى مناخ. من مناخ الترفِ والأناقةِ والعصرنةِ وفنون المعمار وتباهي الخدمات والمتاجر، ونيافة الكورنيش بمرافقه السخية.. إلى العادية وسنوات إلى الوراء، ومجتمع متراص ولكنه بأحجار ملونة من كل طبقة ومن كل مكان. وهناك مبنى من ثماني شقق، والمبنى ليس قديما، ولكن عليه شبح ثقيل من الإهمال المتعمد، والقذارة الفاضحة، والروائح التي تقف لا لتحيي القادم بل تعنفه: لم أتى؟ وتسكن هناك عدة عوائل سعودية بوضعٍ غريب، وأظنها قادمة من أطرف أطراف الجنوب من البلاد، ويعيشون عيشة غريبة.. هم فقراء.. ويعيشون عيشة المترفين، وهم فقراء ويعيشون عيشة التنابل الكسلاء. فالسكن لكل عائلة بإيجارات شهرية، ولكنهم لا يدفعونها، وإنما تأتيهم من موسري المدينة، والرجال لا يعملون بل يتبطلون باللعب وقضاء الوقت لمجرد إهداره. ولما تدخل السكن ستجد ما هو أشد غرابة، أو مثل ما قالت شهرزاد في ليلياتها: خط في مآقي البصر ليكون عبرة لمن اعتبر، فصفة سكن ليس منطبقة هنا، بل هي ثكنة إيواءٍ تطابق ما ترى.. القذارة قياسية وباقي الوجبات السفرية من المطاعم مرمية على الأرض، والأفرادُ نائمون أو لا يعملون شيئا.. نسيت أن تسألني: وما مناسبة وجبات المطعم؟ لن تصدق إن أخبرتك أنهم لا يطبخون! هم تعودوا أن يطلبوا وجباتهم من المطاعم.. تعرف، حتى لا يضيع الوقت! فالوقت يجب أن يستغل استغلالا كاملا بإهداره. من أين المال: أنظر إلى المصدر السابق، أموال المحسنين.
وأيضا أرتالٌ من الثياب المتسخة ومن أراد أن يخرج من الأبناء أخذ ما تيسر من الثياب وبعثها للمغسلة، لماذا؟ أيضا حفاظا على الوقت! أما لماذا الأولادُ والبنات في عمر المدارس لا يدرسون، فالإجابة جاهزة من الآباء والأمهات: هم لا يريدون. حياة بلا حياة.. طفيليات تتسرب داخل أوردة الحياة.. ليس بقصد ولكن بجهل.. ولا تدري أيهما أفدح؟
المشهد الثاني: من الأحياء ذاتها تأتي للعاملات الاجتماعيات المتطوعات حالات تعذيب النساء والأطفال وهي تسري بين هذه العائلات المدقعة أكثر من غيرها. من القصص التي تحكيها لك العاملات وهن يبكين ما جرى لبنت صغيرة تستغيث بمركز الحي التطوعي لحمايتها من أبيها، وتؤخذ إلى المستشفى وكأنها خارجة من زنزانة تعذيب.. ولما توقفت، ولمدة طالت، عن طلب الاستغاثة، توسمت العاملاتُ خيرا، ولما ذهبن في زيارتهن التفقدية لأسَر الأحياء، مررن على هذه العائلة واستقبلتهن أمٌّ من باقي كيان إنساني محطم.. لما سألوها عن البنت: راحت تبكي بحرقة من أعماق جوفها الضامر.. ثم رفعت عينيها الحمراوين لتهز كيان الزائرات، بأن جرعات التعذيب من الأب زادت، وتواترت، وثقلت.. ولم نجد البنتُ الشقية البائسة إلا النارَ لتنجو من عذاب أبيها.. حرقت نفسها حتى الموت.قد استجارت حرفيا من تعذيب أبيها المتبلد.. إلى النار. لم تستجر بل أفقدها التعذيب اتزانها.. تصور؟ لا، لن تستطيع!
*المشهد الثالث: .. في حي يسمونه إفريقيا في الثقبة ينصحك الناس بعدم الدخول.. وأكتفي!
- إذن، والحل:
- لا يمكن أن نتجه دوما للحكومة ونرمي عليها كل النقائص، فكثير من الناس لا يفتح فمه ولو أوصلت الملعقة حتى لهاته.
- لا يجب أن تعد العمالة التي جاءت لتتبطل وتتسكع وتحسب على العمالة التي تأتي لتعمل وتزيد من دوران عجلات الصناعة والخدمات والبناء. خطأ يحب أن يقع فيه من يريد أن يقيس كرشا مملوءة بالهواء العطن، بعضلات يتدفق بها دم الطاقة. والذي يدفع الثمن من لم يقم بالعمل!
- أن تكون الدراسة المجانية في المملكة أيضا إلزامية، أي بمعاقبة مقننة لمن لا يرسل أولاده للتعليم. - ثم الأهم: في حالات الفقر والمشاكل الاجتماعية لا نريد من الأجهزة الرسمية أن تقوم بأكثر مما قامت، فهي لن تبد مهما تمددت.. كل ما عليها أن تتيح للمؤسسات الاجتماعية والأفراد الخيرين أداء العمل ذاته.
- النتيجة:
.. اختفاء المجتمع الخفي!