الحوارُ الوطني.. لم يعد حوارًا
سنة النشر : 01/05/2009
الصحيفة : الاقتصادية
أو أنه لم يعد الحوار بمعناه المعروف، فتحول إلى مسار أجدى, وهو العصف الفكري على مستوى الأمة.
في دورته السادسة التي عقدت في الجوف بعنوان التعليم بين الواقع وسبل التطوير، تفوق مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني على نفسه، قفز قفزة فوق خطواته العادية.. وحقق هدفا حقيقيا كنا دوما بانتظاره.
لقد لمست روحا سائغة انتشرت بين من شاركوا في الحوار الأخير من معارف أقدر رأيهم كانوا يتصلون بي من الجوف، وكلهم ينقل ذات الحماسة عن إتاحة الفرصة للجميع ليدلي بالرأي، وأن هذه الآلية التي شاعت هي التي نشرت روحا مسؤولة بين الجميع، بأنهم حول قضية حيوية تشغل كامل الأمة، وهي قضية التعليم، وأجمعوا أنهم سيعودون ومعهم كميات من التفاؤل الحقيقي، بواقع واعد في موضوعين مهمين: طبيعة ومواضيع الحوار، وأهمية الطروح، وشفافية المعلومات المتناقلة بين الحاضرين والمسؤولين.. أمران في غاية الأهمية.
هذه القفزة النوعية، والواسعة هي التبدل في نوعية الحوار، الانتقال من مواضيع مفتوحة لا يمكن إغلاقها، أو أن فتحها يزيد من تواتر تشنجها، ولا حلول نهائية وثابتة لها، وليس هناك مقياس مادي ولا علمي لمعرفة مسافة النجاح أو الإخفاق، خصوصا تلك المواضيع التي تتعلق بالتركيبات المذهبية، أو بعض القضايا الاجتماعية التي حين تبدأ لا تنتهي، أو أنها تتسع وكأنك فتحت كوة لمصهر ناري ليخرج منه لهاث النيران. صحيح أن الحوار جميل، ولكنه يثبت أن الدواء أيضا بحدين، وأن حده الحاد السيئ قد يكون في حالات أمضى قوة.. ولكن في قضايا تقاس ماديا، ولها حلول نهائية ويمكن أن يتم الاقتناع بها عن طريق المنطق، كما تنتقل الفرضية الجبرية أو الهندسية إلى نظرية بالتحليل المنطقي العقلي المنهجي. ونعني القضايا التي يتفق الجميع على الدفاع عنها، فهنا تكون القضية واحدة والأرضية واحدة والمعركة واحدة والناس جنودا متراصين في جبهة واحدة، وإنما هم يستعرضون، ويضعون التكتيكات والخطط المتباينة بحوار نصفه بعصف فكري وطني على مقاس الأمة من أجل تحقيق نصر جماعي، وليس قضية محصورة لناس محصورين يقفون على جزر متباعدة ويتراصون صفوفا متجابهة للتصادم أو الدفاع، كلٌّ يدافع عن قضية ضد قضية.. ويثبت مسار الجدل الاجتماعي التاريخي أنه لم يكن يوما موفقا كامل التوفيق، بينما تنجح كل القضايا التي يتفق ناس من وطن واحد للدفاع عنها، كالاستقلال، والتعليم، والاقتصاد. ناس متوحدون على أرض واحدة من أجل قضية واحدة، والعصف الفكري هنا هي الطروحات المختلفة للتخطيط لكسب المعركة.
الضربة الموفقة الثانية هي نباهة التفكير، وبرقية الاستجابة، فقد كان التفكير حيا ومتيقظا حول القضية التعليمية، وجاءت مناورته الموفقة في سرعة البرق. فبينما الأمة تغوص في بحر من الرمال المتحركة، حول ما استيقظنا عليه بفزع بعد القائمة سيئة الشهرة التي صدمت الناس ثم دار هذا الحوار المؤذي بين الشكوى، والاتهام، والانتقاد، وبين سلاح مثلوم، ودرع مثقوبة متهالكة اسمها التبرير.. وكان يجب أن يعرف كل مسؤول ثقل دم التبرير على الناس، ولو كان لي أي قدرة لوضعت لوحة فوق رأس كل مسؤول تقول: "لا عيب أن تخطئ ما دمت مجتهدا.. العيب، كل العيب، أن تبرر!".. فجاءت الدورة السادسة للحوار الوطني في الوقت المناسب، للقضية المناسبة، وبالطريقة المناسبة، ونزعت فتيلا يذر شررا وغرست بذرة في الأرض.. لينمو الثمر.
ومن المشاهد الجميلة هي الحوارات بين المسئولين والمشاركين، وهنا شيء لا بد أن أعترف به منافحا عن بعض المسؤولين. فهناك مسؤولون متغطرسون بالطبيعة وهؤلاء لا ينتجون إلا غطرسة، فتفضحهم المكاشفات الكبرى، فهم إما لا يحضرون أو تفتنهم غطرستهم عن التلاقي الصحيح مع الناس، وهناك كثير من المسؤولين يجد حماية في مكتبه وبين موظفيه، لأنه معقله ويحميه من الغضب أو الانتقاد العام الذي قد يكون جائرا وشديدا، فيـُفسَّر كمونه في حصنه ترفعا وتكبرا.. لذا تأتي مناسبة مثل هذه ذهبية للطرفين، الناس والمسؤول، فرأينا كيف كان مسؤولو التعليم العالمي، والتعليم والتربية، ومحافظ المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني في عز تجلياتهم، وهم يتكلمون بواقعية وعادية، ويثبتون أنهم يودون أن يظهروا أمام الناس ويتبادلوا الرأي ويعرضوا الإنجاز، ويقوّموا الأخطاء ولكن في بيئة صحية من الاجتماع، أي أنهم بحاجة إلى جسر ليعبروا فيه إلى الناس، والناس ليعبروا إليه نحو كل مسؤول.. قلت الجسر؟ نعم. الجسر الذي يكون قويا متينا يعبر عليه الناس من أرض جدباء إلى أرض مزهرة جدية أو واعدة بالازدهار.
حين يقول الأستاذ فيصل بن عبد الرحمن المعمر إن دورنا جمع المحاضر والأفكار والتوصيات وتسليمها إلى أصحاب القرار، فهذا بالضبط دوره، وكل ما عليه: أن يحسنه! أي أن يكون جسرا قوي الهيكل والأساس ليعبر عليه العابرون بأمان.. وتجد أن هذا الدور الذي عبّر عنه المعمر بواقعيته المتواضعة هو أهم الحلقات على الإطلاق.. جسر بين أرض تجدب وأرض أثرى خصوبة ونماء.. وليس من أرض بها نار، إلى أرض تعج بالأشواك.
أسجل: مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني قدم خدمة كبرى في قضية كبرى.. وتفوق على نفسه!