ليس فقط نشيد العلـَم السعودي..

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
حب الوطن وحده لا يكفي، أن نفاخر بأننا وطنيون لا يكفي، وأن ننشد للعلم ثم نذهب لهمنا اليومي لا يكفي. إن لم يكن معه شيء آخر وهو الحُلم السعودي. أي ألا يكون حب الوطن شعورا جامدا لا يتعدى، ولكن أن ينتقل ليكون ديناميكيا ومفجرا لطاقات التقدم.. أي أن يكون في الأمة تيار من الحب آخر، تيار عملي، وصادق وواقعي وخال من أي شعور زائف أو حقيقي يقف حائلا دون أن نتقدم أو نخطو خطوة واحدة للأمام.. إن لم يكن الحب طاقة متدفقة وعارمة مثل نهر صاخب يشق الطريق عبر السهل والجبل، عبر الصعاب والعراقيل، أن يحمل في روحه التحدي والمثابرة والابتكار والجدية والمرونة والتفهم للتضاريس ليتغلب عليها شاقا الطريق المعروف والمرسوم مسبقا نحو المصب ـ الهدف.. فهو حب عليل، حب واقف .. حب مثل سيارة بلا عجلات، شكل بلا معنى، وسيلة بلا حركة، مظهر تغلب على الغاية، وهم يشلّ الحركة.. علينا أن نضع الإطارات من جديد، ونفحص مولدات الأمة ونمضي في طريق ضمن خريطة مرسومة للأمام .. ثم إن أي نشيد للعلم، أو حب للوطن ، أو تفاخر بالانتماء إليه سيكون معبرا لأننا نهلنا من هذا الحب طاقة للمسير، وليس مجرد عاطفة تنبعث يوما وتنطفئ أياما.. أن ننتقل من حب الوطن ساكنا، إلى حب تطوير الوطن.
 
وبناء أي أمة يحتاج إلى صيغة وحزمة من الإجراءات، والإجراءات نسميها خارطة طريق التقدم، وهذه الخريطة يجب أن تمسح طبيعة التضاريس لبلادنا اجتماعيا وسكانيا واقتصاديا وإمكانيات وثروات مسحا دقيقا، يعكف عليه خبراء جادون من الآن، وعاملون وبخطة محددة وبوقت محدد، أي أن نأخذ مجموعة من النابهين في الأمة من العلماء، والأطباء، والأساتذة، والمهندسين، والموظفين العموميين، ورجال الأعمال ونغلق عليهم في قاعة مزودة بكل ما يحتاجون من معلومات، وبسكرتاريا مثل خلية النحل ونطلب منهم عملا محددا، بوقت محدد، وبنتائج لتطوير الأمة قابلة للقياس من أول الطريق ووسط الطريق وبقية الطريق.. وبقية الطريق بلا نهاية.. ولكن مرسوم ومعروف من البداية، وأن نقفل على هذه العقول في القاعة النشطة المتصلة بكل معلومة بلا مانع ولا صاد ولا حاجز.. ونقول لهم كفانا مشاكل، وتخبطا في حلول المشاكل، لقد أكلتنا المشاكل، وأكلت البقية من لحومنا ومعها كميات من عظامنا الحلولُ المتخبطة والمرتجلة للمشاكل.. لم نعد نصبر أن نضع المجتمع على سرير العيادة ثم يأتي الطبيب غير الجاد والمتعجل والذي لا يشعر بقيمة آلام وحياة المريض المستلقي على السرير يئن ويتوجع.. ثم يخرج لقلة اكتراثه بتشخيص خاطئ، فيصرف علاجا خاطئا.. ويخرج المريض ُـ إن خرج - مشيعا بمرض جديد. أن نقول لهم: لا تخرجوا إلا بحلول ناجعة. ولن نعلم في الحقيقة إن كانت ناجعة أم لا فهي مربوطة بالنتائج، والنتائج مربوطة بالمستقبل، والمستقبل غيب.. ولا يعلم الغيب إلا خالق الغيب، ولكن هناك دروب مطروقة، وإجراءات علمية وعملية معروفة ولن نضطر لإعادة اكتشاف النار، أو اختراع العجلة، الذي يجب أن نخترعه أو نكتشفه من خلال هذه العقول هو الجدية الخالصة، العمل الخالص، العلم الخالص، الخبرة الخالصة، والحب الخالص في تقدم الوطن والمواطن، فهما لا يتقدمان إلا معا، ولا يتحسن مستواهما إلا معا، فلا معنى أن يزداد الثراء في الميزانيات العامة، ولا يزداد بالتبعية في الميزانيات الفردية.. ولا معنى لمشاريع كبرى تقدمية على تراب الأمة، ثم يبقى المواطن بعيدا عنها لا يعرفها إلا من خلال الإعلام وإن سألته عن مواقعها لتلجلج، ناهيك أن يعرف ماهيتها أو أن يشارك بها.. هذه اللجنة منوط بها أن تضع لنا صيغة حياة عملية منتجة وعادلة ووافرة وترفع قيمة الدولة والفرد معا.. صيغة حياة تزرع في قلب كلٍّ منا حب الحلم السعودي.. وهو حب يضطرم في العاطفة، وينصهر مع الأمل، ولكن لا تحركه إلا تروس العمل.
 
يبقى أن التحدي الأكبر ليس وجود هذه العقول، فأنا كشخص من هذه البلاد أعرف أدمغة سعودية جبارة متسلحة بالمعرفة والمنطق ودلائل النجاح البازغ ويعتمل داخلها رغبة العمل لتقدم البلاد، وكل واحد منكم لا شك يعرف من حوله الكثير. إذن، بلدنا مليء بالعقول النابهة جدا، والقادرة جدا، والخبيرة جدا، والمحققة لنجاحات مسجلة ومشهودة ومتواصلة. والتحدي الأكبر وهو حسن اختيار هذه الباقة من العقول الصحيحة والطيبة والذكية والمجتهدة والجادة والمؤمنة بمبدأ التطور المحض..
 
ومن هنا، بصراحة واجبة على من يسعى لتحقيق الحلم السعودي ، الاعترافُ بأن كثيرا من إخفاقاتنا نتجت عن الاختيار غير الموفق للقيادات المؤثرة، أو لأعضاء اللجان الكبرى التي أعطيت مصير الناس أو بعضا من هذا المصير. بعد الاختيار الذي لا يقبل الخطأ، أو لا يسمح إلا بظل ضيق منه في اختيار الناس، تـُحدَّد المدة، ويجب أن ندرك أن العمل ضمن بوتقة الإجراءات التي ذكرناها لتحقيق الحلم السعودي، وإعادة بناء مناشط في البلاد، ليس قضية مربوطة بعمل نسهر عليه الليلة ونراه في فجرها.. إنه عمل مضن ٍ وشاق ٍ ومرهق، وسيأخذ وقتا طويلا، ولكن علينا دائما وواجبا أن نحدد الوقت مهما كان طويلا.
 
بلدنا مليء بالإمكانيات، ويجب أن نحولها إلى فرص لتحقيق الأهداف.. أن نحول الوطن من نشيد إلى حلم نفخر به ونسعى دائما لتحقيقه.. وسنتعلم بالتبعية أن ننصهر بكل فئاتنا وتنوعاتنا ضمن بوتقة السعي للتطور.. وهذا، بحد ذاته، من أهم عناصر الحلم السعودي..
 
حلم لن نراه وأعيننا ناعسة.. بل وهي في كامل اليقظة!