سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
لقد كانت الردود على مقالة (هل نحن في الخطأ) فوق التصور. وإني أشكر، وأمتن لكل من أخذ من وقته، وبذل من جهده ليكاتبني مشجعا، وناصحا، ومرشدا. وأحب أن أعرض عليكم هذه الرسالة التي جاءتني من السيد "مواطن غيور"، وهي تستحق العرض ليس لأن فيها مديحا، بل لأن فيها نقدا، وعتابا، وخيبة أمل.. خيبة أمل مني. إن المواطن الغيور يستحق إيضاحا، والوطن أيضا يستحق ذلك الإيضاح، وربما حتى.. أنا. لِمَ لا؟
الرسالة تقول:
" لقد اطلعت بتعجب على مقالتك بعنوان (هل نحن في الخطأ)، وأقول لك إني أسفت أن نجيب الزامل، الذي أحرص على قراءته، كان هنا متجنيا على ما تفعله الحكومة من أجلنا كمواطنين، وكيف أن مقالتك مسحت كل الأعمال الكبيرة التي قامت بها الدولة من عقود في كل مجال، فإذا هي بالنسبة إليك فقط مجموعة من الأخطاء، وتقارننا بدول صغيرة ناسيا أننا دولة بمساحة قارة، وأن أي شيء تفعله تلك الحكومات لا يتطلب عشر الجهود التي تقوم بها حكومتنا.. هل انتهينا إلى مجوعة أخطاء فقط، هل مسحت كل أعمال قامت بها الحكومة بمقال؟..."- مواطن غيور.
وأقول للسيد "مواطن غيور" إني أولا أشكر له هذه الرسالة، ولا يجب أن أعتب عليه بل العكس هو الصحيح، فيجب أن يكون الكاتب مطلعا على كل الآراء، بل إن آراء معارضة قد توجهه ـ وهذا صحيح في أكثر الأحيان- إلى الرأي الأصح، أو يجد أنه لم يكن واضحا، وعليه إذن أن يكون واضحا أكثر، وإني آخذ نية السيد "مواطن غيور" على هذا المحمل.
على السيد "مواطن غيور" أن يفهم أولا أني مقدر له هذا الحرص في مكاتبتي، وعلى غيرته على بلاده، وأرجو أن يعلم ويصدق أننا غيورون مثله تماما، وكما أن السيد "مواطن غيور" يحب الحكومة ويدافع عن منجزاتها، فنحن نفعل ذلك، ودورنا مع الحكومة مؤازرين، في صف واحد، لا في صف مقابل، نحن نعتقد ككُتاب، إن سمح لي بقية الكُتاب بهذا القول، أو أنسبه إلى نفسي، أن الكاتب حين يوضح وينتقد إنما هو من أجل الحكومة، ومن أجل الدولة، ومن أجل الوطن.. وكل بمنظاره. ومنظار السيد "مواطن غيور"، بما هو ظني وفهمي، هو أن الدولة أنجزت مشاريع عملاقة، وأنها أنجزت هذه المشاريع الكبرى ببذل المال، ووضع الخطط، والسهر على مسابقة الزمن لنقل المجتمع برمته من مكان إلى مكان أعلى وبصفة متواترة، وربما تكون نية السيد مواطن غيور أن هذه النقلة الكبرى يجب أن تقارن بالزمن والإنجاز بكثير من الدول التي أساءت استغلال ثروات شعوبها فضيعتها على أحلام فردية وثورية، وأنانية.. فتأخرت دولهم وتعاظمت قوة وبطش وثروات زعمائها.. وهذا صحيح ونتفق فيه كل الاتفاق. بل إني أذهب أكثر من ذلك، وأقول إن سر نجاح التطور في المملكة وتعاظم الدور الاقتصادي الرسمي والخاص معا هو نتيجة استقرار الدولة وارتباط حكومتها بشعبها وأرضها.. يا سيد "مواطن غيور" في حياتي قد أنسى أشياء كثيرة، ولكن لن أنسى ما قالته والدتي يوما لما سألتها صغيرا عن الفرق بين الملك والرئيس وأيهما أفضل، فقالت لي بحكمة وحدب لا أنساهما: "يا ولدي، انظر إلى هذا البيت أمامنا.. إن كان صاحبه مالكا له فسيصونه ويعمره ويحافظ عليه، وهو هنا مثل الملك، وانظر إليه لو جاءه مستأجر فإنه لن يضيع فيه مالا أو جهدا أو تطويرا لأنه سيمضي عنه.. وهنا هو الرئيس". قد لا يوافق البعض على قول أمي.. ولكن هذا ما نشأنا عليه، وبالتالي لا نساوم عليه، ولا نرى أنا مكلفون بالجهر به، لأن الجهر بالأشياء مرارا وتكرارا هو مثل تأكيد ما هو مشكوك به في الأصل.. وعندما يكون ثقة عميقة ومتأصلة فهي في وجداننا وكل خلية بنا، ومن العبث أن تنثر خلايا قلبك على الناس.. لن تستطيع، ولكن يرى الناس ذلك بطريقة أخرى.. وهي الحب. والحب ليس مدحا على طول الطريق فهو قد يؤذي، لذا عرضت رسالتك على الناس لأني باعتقادي أنك تحبني ورأيت أن تنصحني.. هذا أرفع درجات الحب. الخوف على الحبيب من الخطأ.. أتوافقني؟ أرجو ذلك.
ثم أنا رأيت الخطأ في المقالة مسؤولية الجميع مسؤوليتنا نحن كناس، مواطنين، ومسؤولين، وعاملين.. حين قلت إن دورات المياه في محطاتنا فيها الكثير من الإهمال، هل على الدولة يقع الخطأ أم على صاحب المحطة؟ وسأقول لك شيئا مهما هنا، لِمَ وجدت محطة الوقود أصلا؟ أليس لأن هناك طريقا؟ هذا الطريق بنته الدولة.. هل هذا خطأ أم عين الحق؟ عين الحق بالطبع. ولكن هل من المجدي أن أثني على الدولة في شيء يراه الناس كل يوم وكأني أشكك في وجوده أصلا؟ عندما تبني الدولة المدارس والمرافق هل هذا خطأ؟ بل عين الحق.. هناك أشياء مثل الشمس في يوم صحو فإنك حين تؤشر بوجودها فإنك تقلل من دورها، لأنها أعظم من أن تفصح وتدلل على نفسها بنورها الذي يعم الكون.. (قد) تتفق معي أني قد أقلل من دور الحكومة عندما أقول هي التي بنت الموانئ والمطارات ومهدت للصناعة والمدنية بأوجهها، لأنها إن لم تفعل ذلك فمن يفعل؟ ولا هي تنتظر إطراء.. كل ما تنتظره الحكومة والدولة والوطن منا أن نحافظ نحن على كل ما يُبنى ويُؤسس ويُشاد، كبار الدولة عليهم هم الإنجاز، ثم على كل منا في موقعه صيانة الإنجاز.. والمساهمة في تطويره. عندما تلاحظ ابنتي أن لا عامل نظافة في النهار في البحرين مثلا، وعمال نظافة الشوارع عندنا يملأون العيان، فليس هذا بسبب الدولة، ولكن بسبب من يلقون القمامة في الشوارع من سياراتهم وبيوتهم، والناس في البحرين لا يفعلون.. ليس دور كبار الدولة والحكومة أن يتابعوا كل شيء.. وهذا حتى لو أرادوا فإنه منطق غير مقبول، وإمكانية من المستحيل.. لذا يجيء دورنا، من الوزير إلى أي فرد منا يسير على تراب البلاد.. أن نكون نزيهين، مجتهدين، عادلين، حضاريين، محبين.. بل لو أحببنا ناسنا وبلدنا كل الحب لما جنينا على بلدنا، ولا على ناسنا ولا.. أنفسنا!
السيد "مواطن غيور" من حقه أن يقول لي أي شيء، ومن حقي أن أقول له إني أعلم عن حرص الحكومة أو كبار الدولة ربما أشياء لا يعلمها، ولكنها إن دلت على الحرص العميق فإنها لا تكون قاعدة للعمل، ولكن تكون مثالا للاقتداء وللحرص. ولديّ لك قصة قريب أنا منها جدا.. جدا.
يوما كتبت عن مضيف في الخطوط السعودية أبلى بلاء حسنا مع الركاب في أزمة انتظار داخل الطائرة، وحصلت لي مفاجأة لم أكن أتوقعها أبدا. اتصل بي المضيف وأخبرني أن سمو الأمير سلطان بن عبد العزيز استدعاه شخصيا وكافأه وأثنى عليه بعد أن قرأ سموه المقال.. إن الأمير سلطان لا يستطيع ـ وليس مطلوبا منه - أن يباشر كل مضيف في الخطوط، فما بالك بكل مواطن، أو كل متابعة عمل.