وانطفأت آخر زهور الشمس
سنة النشر : 01/05/2009
الصحيفة : الاقتصادية
انتقل إلى رحمة الله تعالى معالي الدكتور محمد بن حسن الجبر (رئيس هيئة الخبراء في مجلس الوزراء). ونعرف الدكتور الجبر من خلال أعماله وبشخصه، من أعماله الواضحة الجلاء في وزارة التجارة، وقربه من النبض الاقتصادي في البلاد، ومن شخصيته القابلة للانفتاح والنقاش. والدكتور الجبر من عيِّنة قليلة في كل مكان، تلك التي تغطي أعمالها بروزها على مسرح الأخبار، ودوائر الضوء. هو رجل قادته في مسيرة نجاحه إنجازاته فقط، وليس ركوباً على أي وسيلة أخرى، ولكن عندما تعرف أعمال الدكتور الجبر وصفائه الذهني وانكبابه على العمل، وتطوير العمل، تعرف لماذا تنفتح له مصاعد الترقي. ندعو الله أن تكون أعماله صلة له للترقي لجنات عليين في مقام الخلود.
مات نجيب محفوظ. مات بعد عمر طويل، وبعد إنتاج طويل، وبعد طريق نجاح طويل، مات بعد أن رسم طريقا كاملا وحيدا للقصة في العالم العربي لترتبط بقنطرة مع العالم. مات بعد أن عانى آلام المرض، وآلام الحقد فقد جاءه من الانتقاد والتعييب ما أزعج هدوءه التنسكي أكثر من ذلك الخنجر الذي غرزه مهووس في رقبته. مات بعد أن وضع تاريخا بيده حرفا حرفا من أول رواية إلى آخر رواية، حتى وكأنه كتب الفصل الأخير بمشهد الموت ذاته. مات بعد أن أثبت لنا أن من يضحك أخيرا في العالم العربي هو من ينتقل إلى عالم الفناء. لقد رحل وهو كبير، ولكن سنشعر بموته أكثر من حياته، لأننا سنعرف هول الفراغ الذي سيتركه. مات آخر عمالقة مصر بعد أن جفت مصر والعالم العربي من إفراز العباقرة.. هناك أسطورة من التبت تقول لا تخرج زهور الشمس من جديد إلا بعد موت آخر زهرة من جيل سابق. مات زهرة الشمس العربية المصرية.. ونحن بانتظار جيل من زهور الشمس.
إن النداء لأبي متعب مليك البلاد الذي خرج في مقال لي يوم الإثنين السابق في هذه الجريدة، عن موضوع حميدان التركي، ملأ بريدي وبريد موقع هذه الجريدة بمئات من الدعوات للتركي بأن يخلصه الله من محنته. ولكن أيضا وصلتني رسائل قليلة عاتبة وبتهم متعددة، منها من قال إنه يمثل مجموعة مثقفة ساءها المقال بحكم أن من أخطأ يجب أن ينال جزاءه، ورسائل بأني انتقائي، ورسائل بأني وجهت نظر المليك لشخص واحد، وهناك ملايين المسلمين يعانون. وأنا أحترمهم مع أن رأيهم ـ أعترف لكم - يؤلمني. والقراءة لم تكن محايدة، فأنا أوضحت من البداية أن قضية التركي ليست قضية فرد بل أمة، يعني لو كان المجرم فرنسيا مثلا فلن تكون إجراءات القبض والمحاكمة مماثلة لما وقعت لحميدان التركي. وأما عن ارتكابه جرما أو خطأ فأيضا أوضحت في المقال قائلا ليت أن هناك من أحد يؤكد لنا جرم الرجل لبلعنا ألسنتنا. وكتب لي أحدهم أننا يجب أن نرقى لدولة المؤسسات ولا نخاطب الملك "في الغادية والجاية" أما عن كوننا دولة مؤسسات، فيا ليت. وقد نكون في الطريق. إن الزعماء الذين يطالبون بإطلاق سراح مجرميهم في سجون الدول الأخرى هم أيضا من دول مؤسسات. أما مخاطبة ورجاء المليك فهو مفتوح لأي شخص أن يترجاه، وليس على الملك ـ قطعا ـ أن يستقبل أو يحقق لكل فرد رجاءه، ونعلم ذلك، ولكن للمليك القرار في التحديد، وليس لنا، ولا للمعترضين. وإني أقول للمعترضين إنكم إخوة لي وأدعو الله ألا تتعرضوا لمكروه في الخارج.. ولو حصل، لا قدر الله، لأي منكم، فسأكتب لكل منكم مثل ذاك المقال.. أو أزيَد.
ويكتب السيد إبراهيم عبد العزيز اليوسف مقالا عن العنصرية في هذه البلاد، في "الاقتصادية" الإثنين 28 أغسطس (آب) عن هذه الأعراف التي تمجها النفس العادلة والضمير العاقل والمنطق الإنساني، وقبل كل ذلك تعاليم الدين حول مسألة الانتماء لقبيلة من عدمه. مجتمعنا مازالت تعج به هذه الأفكار والقيم المصنعة عرفا ضمن طقس عقلي ضيق، وتزيد عصفا يوما وراء يوم. وذلك ردا على قصة لا يمكن أن تصدقها لو سمعتها شفاها، فستحسب أنها من الشائعات السمجة التي لا تمر في مصفيات العقل، حول أن امرأة متزوجة من رجل ولهم أولاد، ثم يرفع أخوها، وليس أباها (!) قضية في المحكمة، والمذهل أن القاضي يفرق بينهما. إنها قصة كأنها حدثت في مكان مظلم قصي، أو مثل محاكم القبائل في شمال باكستان، حيث العرف أقوى من الدين. ألم يحسب القاضي أهون الضررين؟ هذا لو كان هناك ضرر من زواج قبلية من غير منتمٍ لقبيلة. السيد اليوسف يضيف أن هذا يهدد وحدة البلاد.. وهو محق، كل الحق.
هيا نوزع النفط: من الأعاجيب، ما خرجت به الأنباء عن تصريح "لبرهم صالح" نائب رئيس الوزراء العراقي حول اقتسام إيرادات النفط (داخل مناطق البلاد.. ولم يذكر شيئا عن نصيب أحد خارج البلاد، إلا إن كان توزيع المتبقي بعد ذلك!)، الأغرب أن يقول: "نواجه مخاطر أن يتحول النفط إلى قضية خلافية يتقاتل عليها الجميع" وكأن هذا يحتاج حتى حسا للتوقع، انثر نقودا على الأرض وأنظر كيف يتنازع عليها الناس، فلا عجب أن تعاركوا على قرش ملقى هنا أو هناك، ثم كيف سيرضى المقتسمون بأي نسبة من الحصص بحجة وألف حجة، مستحيل. ولكن صاحبنا يمضي مناقضا القول السابق والمنطق حين يعقب قائلا:" وبالاتفاق على اقتسام الإيرادات يمكننا تحويل النفط إلى عنصر توحيد للمجتمع العراقي!!"، يا رجل كيف يتوحد وطن يتنازع المتنازعون إيراداته طبقا للمنطقة.. الحقيقة أن هذه أفضل وسيلة لتفكيك العراق.. وتفكيك موارده!
"من العيب أن نصف الرجل بأنه امرأة، تماما كما هو معيب أن نقول للمرأة إنها رجل، لأنها أكثر من مجرد رجل."- الدكتورة أمل الطعيمي- جريدة "اليوم" في 27 آب (أغسطس).