أيها الشعب السعودي .. ما الذي بكم؟

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
نحن شعب مختلف جدا مهما قيل فيه.. شعب مختلف جدا. إنه الشعب الذي يحب الناس في كل مكان أن ينتقدوه، وأن يشوهوه، وليس في كل مكان ولكن حتى وسط المكان، مكاننا. ولما يظهر ناس منا على الشاشة ويقولون إننا كسعوديين نرى نفسنا فوق العالمين وإننا كُمَل مكملين، فهذه هي القراءة الخاطئة عينها، بل إن السعوديين يرحبون بكل الشعوب العربية وغيرها، وأحيانا يرونهم في درجة أعلى منهم.. صحيح.
 
السعوديون شعب مختلف جدا لأنه يقبل تنوع الجنسيات بينه ويراه شيئا عاديا، ولم يعتدّ ويفاخر بشوفينية وطنية أبدا إلا لما صارت تظهر في الصحف والحملات الرسمية وغير الرسمية: انتبهوا أنتم سعوديون، لذا فأنتم متميزون بكل حال.
 
لا ليس صحيحا، لا نحن مميزون ولا يجب أن يقال لنا كذلك، ولكننا مختلفون حقا، لأننا شعب قليل المشاكل كثير العطاء.. وهنا نقف أمام شرفة وطنية ونطالع الدنيا ونقول ذلك بلا رمشة جفن.
 
هذا الشعب السعودي تقوم عليه أشياء كثيرة في كل مجتمع عربي أو إسلامي أو مجاور، ولا نقول الحكومة أو مساعداتها، أو قنواتها الدبلوماسية والاقتصادية فقط، ولكن من الشعب ذاته بمحض قراره، وبكل إرادته. عندما تنهض أشياء خيرة كثيرة فابحث عن يد الشعب السعودي، وعندما تنهض مقومات عملية في مجتمعات كثيرة فابحث عن اليد السعودية الشعبية، وعندما تزدهر مجتمعات بأكملها فابحث عن اليد السعودية، وعندما تحتاج شعوب العرب، أو شعوب الإسلام غوثا فابحث عن اليد السعودية الشعبية، وعندما تكون نصرة للدين أو الخير بعمومه فابحث عن اليد السعودية الشعبية.
 
تبني المساجد والمدارس في كل القارات بلا استثناء من قبل وافدين أو رسائل تأتي للبلاد لدفع النشاط الإسلامي والإنساني فلا يجدون إلا السعوديين، ولا هم يرجعون خائبين.. بل إن آلاف مؤلفة من بيوت الصلاة والعلم في أقطار منزوية وظاهرة بنتها اليد السعودية الشعبية لما باشرت بالتبرع والعطاء.. أكبر الحملات الطبية والتعليمية والتنويرية هي مبادرات من فئات من الشعب السعودي -أكثر من غيرها في كل أمة العرب والإسلام بلا منافس- والأدلة بازغة ومسجلة حتى أنها آذت قوى لا تحب لنا الخير، ولم يخفوا ذلك للحظة.
 
يقوم أطباء سعوديون بمعسكرات حول المجتمعات الإسلامية الفقيرة ويقدمون العلاج، يقوم مربون ومحسنون ونشطون وهادفون ويدورون القارات يبنون، ويرشدون، ويشيدون، بمناظر لا يمكن أن تتخيل مدى انتشارها ومداها، وراءها أفراد سعوديون.. مثلك ومثلي.
 
لذا لمّا قامت الدنيا في الضفاف الأخرى ضد العرب والإسلام لم يكن هناك إلا صورة السعودي كفرد في كل الأذهان، وكل الخطط، وكل الأهداف.. السعودي هو الذي تشير إليه الأصابع، لأنه مختلف، واختلافه يأتي من مبادرته في العطاء وفي هذا الخير المزروع في نفسه.
 
الشعب السعودي له دور كبير جدا، مع حكمة جماعية، في استقرار البلاد ذاتها ومن استقرارها صار لها منعة اقتصادية وثبات بين الأمم .. وإن شعوبا غاضبة حمقاء هادرة هي التي تقوض مقدرات الأمة، ومكتسباتها، وتهز أهم عناصرها وهو الثبات الذي تحتاج عناصر النماء والتقدم أن تقف عليه باتزان ورسوخ ثم تنطلق إلى الأمام، أو تتسلق إلى الأعلى.
 
لن يصدقنا أحد لو قلنا إن السلطات الرسمية والإدارة الحكومية عندنا منزهة من الأخطاء، ولا القيمون على إدارة مناحي مناشط البلاد يقبلون أن يصفهم أحد بالصفاء التام، أو الاكتمال النهائي، أو السمو عن الخطأ البشري، ولا حتى عن الهوى الغريزي .. لذا تقوم وتتحقق الأخطاء بعضها غير مقصودة وصغيرة، وبعضها إخفاقات مشهودة – وهو من طبيعيات إدارة البلاد الكبيرة - ولكن لن تجد في السعوديين الاحتجاج المشاغب، ولا الانهمار كالقطعان في الشوارع والميادين يكسرون ويحرقون – وأن الشعوب التي تفعل ذلك، إنما تزيد من معاناتها كمن يعمد حرق أصابع يديه ثم يريد أن يؤدي بهما عملا - لأن هناك نوع من الحكمة الجماعية والاتزان المتوارث بشكل من الأشكال.
 
سيأتي من يقول: هذه مؤشر خاطئ لأن قوانين البلاد تمنع التظاهرات والمسيرات .. فليكن! هل كل البلاد التي تثور بها المظاهرات الهوجاء مكتوب في نظامها: تظاهروا؟ كلا، والأمثلة أقرب من حبل الوريد! واليد السعودية الشعبية هي وراء الخير لما يكون هناك حاجة واضحة وماسة للمساعدة في نصرة أي مجتمع إسلامي، ولا هي تتردد عن ذلك لحظة، بل تجمع أموال كبيرة بانتظام ويسر وتدفق، وهذا الذي جعلنا نسمع الآن مصطلح "تجفيف المنابع" من المعسكر الغربي ( الأمريكي والبريطاني بالذات) لأن الفهم – ونقول ذلك بأحسن النوايا، فلا نتعدى صفة الفهم - هو أن هذه الأموال تجير في غير أهدافها. ولما مُنعت الجمعياتُ الخيرية الجامعة للتبرعات، تأكد أن أكثر من ثلثيها هي التي أقامها وأدارها ومولها الشعب السعودي حبا في الخير وليس قصدا، أبدا، لزرع إرهاب مدبر، أو تخريب مبيت، ولكنه إثبات أن الشعب السعودي مختلف في صفته العطائية، والاعتراف إن لم يكن مكتوبا أو مُقـَرا فهو موثق بتلك الأفواج التي تأتينا من كل حدب لتأخذ ما يعينها .. ولا تخيب.
 
إن لبنان اليوم بحاجة شديدة، فوق ما نتصور، وتأتيني أخبار من المشهد اللبناني فورية بما يحيق بالناس هناك من ضنك، وألم، وعوز.. حتى أن الأمور تعدت الصبر الإنساني أمام صلابة الكرامة الفردية عندما تعصر الحاجة عصرا.. التبرعات بدأت وتبشر بدور هذه اليد السعودية، اليوم، وغدا، وبعده. نأمل أن تبرز اليد السعودية الشعبية باهرة العطاء. ولا نريد أن يشكرنا أحد.. وأهلا بكل أفـّاق يريد أن يشتمنا ولكننا كما اعتدنا عمل الخير، اعتدنا أن تقف الضباعُ حولنا ترجو الجيف.. فلا تجد إلا الحياة!