سنة النشر : 13/06/2009 الصحيفة : اليوم
.. هذه النوعيةُ من البشر المترَعين بالإيمان يفيضون بأنوارِ المحبَّةِ للآخرين أيضاً، لكنها المحبة المتعدية وليست المحبة اللصيقة الضيقة. إنها المحبة التي أتخيلها كروحٍ أمٍّ تجوبُ الكونَ وتدفعُ الأرواحَ لتتلاقى وتتآخى.
وهذه الصفةُ الكونيةُ هي أن ترجو لأخيك أو أختك الكونية تماما كما ترجوه لذاتِك. وقد وصلتني رسالتان، الرسالةُ الأولى من فتاةٍ لن أقول اسمَها ولا جنسيتها، ورسالة أخرى من حاملةِ شهادةِ دكتوراة مصرية جعلتني أشعر بأن تيارَ الفخر كسائلٍ كريستالي ماسيّ يمرّ مع نخاع العظام. وبين الرسالتين فرقٌ شاسع، وكلتا الرسالتين أترجمهما من الإنجليزية :
الأولى : «أنا فتاة من ... وأدرس الماجستيرَ في التاريخ الطبيعي في جامعة بنسلفانيا، ويدرّسنا الدروسَ الفرعية رجلٌ أمريكي في غايةِ اللطفِ والرقةِ والذكاء، ولقد تولعتُ به مع الزمن حتى لازمني خيالـَه في حضورِه وفي غيابِه. المهم أني صرتُ أتقرّب إليه إلى أن صار يبادلني ذات الشعور، وصرنا لا نستغني عن بعضنا، وطلب مني المساكنةَ معه في شقته .. فماذا ترى، علما بأني لا أستطيع أن أعيش بدونه؟». والرسالة لو كانت ورقية وليست الكترونية لمزقتها، ثم أعدت تمزيقها، ورميتها في سلةِ المهملات، ثم أعدت إخراجها لتزداد تمزيقاً، لذا أطالبُ باختراع برنامجٍ يتيح تمزيق الرسائل الالكترونية الفجـَّة.
الثانية : « أنا الدكتورة «غادة السعودي» من مصر. لقد ذهبت إلى جامعة لندنية لتحضير الدكتوراة في علمي الذي أتخصص فيه، وأشرف على رسالتي بروفسورٌ عظيمٌ يا حضرة الأستاذ، عظيمٌ من كل الجوانب، في الأدبِ وفي السلوك وفي الصبر على التعليم وفي دماثته المثالية مع تلاميذه. إنه بكلمةٍ يا حضرة الأستاذ من الأشخاص الذين يعززون إيمانك بقدرة الله تعالى لأنه سبحانه وتعالى يوجِدُ هذه المخلوقاتِ المتناهية الروعة مثل البروفسور. لقد قررتُ أن أهديه أعظم هديةٍ يمكن أن يهديها إنسانٌ لإنسانٍ .. وهي : الطريق إلى الله. يبدو أن أستاذي الرائع لا يؤمن بالخلق أساساً، وتناقشنا أنا وهو طويلا في نظرية داروين وفي الانفجار الكوني، الذي يراه هؤلاء كدليل على عدم وجود هندسةٍ مسبقة، ثم أعياني النقاش، ولما رأيت مقابلتك مع الدكتور العوضي حول هذا الموضوع فإني أرجوك أن تواصل النقاشَ مع البروفسور لعله يهتدي، أو أن تساعدني في ذلك».
وأجبتها : حاضر وبكل سعادة .. لكن أمهليني وقتاً كي أتنسّمَ الفخر! السيدة غادة مسلمة محبة لكل الناس، ولأن أستاذَها كان له فضلٌ عظيم عليها فأحبته، لكنها تلك المحبة الكونية التي ترجو فيها ألا تمَس نارُ جهنمٍ جلدَهُ كما لا تريد أن يمس جلدَها.. وليس لأغراضِ دنيا، أياً كانت الأغراض. ولو عمل كل مغتربٍ أو مغتربةٍ كما عملت الدكتورة غادة لرأينا كيف سيعمّ النورُ والعدْلُ أرجاءَ الأرض.
طلبت رقمَ هاتف الدكتورة غادة كي أستأذنها في نشر رسالتها واسمها، وكي نتناقش مستقبلا فيما يخص البروفسور.. وقالت لي : «أنا من النوع الخجول، ولتعمل ما ترى، ولست أهلا لأن يظهر اسمي فما عملتُ شيئاً..». أتقرؤون؟ تقول لم تعمل شيئا!! يسطعُ القمرُ مكتملا في كبدِ ليلة حالكة، ثم لا يعرف أنه أنارَ في الأصل .. لأن هذا طبعُه الغالب!
في أمان الله.