امشِ عِدِلْ يحتر عدوك فيك

سنة النشر : 08/07/2014 الصحيفة : اليوم

 

يسأل شاب الأعمال «أحمد س ل»: «أريد منك رأيًا صريحًا. مجتمع الأعمال عندنا لا يخلو من التصرفات غير الأخلاقية، والرشوة موجودة ومنتشرة. فهل يتغير المعنى الأخلاقي هنا؟ خصوصًا أني متدين وأخاف الله. ولابد من الإشارة أنني لو تمسكت بأخلاقيات العمل، فسيتفوق علي المنافسين بمجالي الذين يتماشون مع الظروف؟»

سؤالك حبيبي أحمد سؤال صعب علي، وهو صعب بمجمله. فلا أنا ذلك الشخص الملائكي الأخلاق، ولا أدعي أني سلمت من أي عمل كامل الأخلاق نظيفًا كنقاء زهرة القطن في أول القطاف.

وإجابتي لك إجابة أتمناها لنفسي كما أتمناها لك، خصوصًا الشباب الطالع من عصاميي الأعمال. معنى العمل التجاري أيًّا كان نوعه هو استبدال قيمة بقيمة، والفرق بين القيميتين تشكل أمَّا ربحًا أو خسارة. والأخلاق في التجارة تعني ألا تغش زبونك بالقيمة التي أعطيتها إياه إما بالمبالغة في السعر، أو بمبادلته بمنتج غير أصلي بينما هو دفع مقابل أصلي.

وفي الخدمات وفي الصناعة وفي المقاولات ينطبق كل ذلك، فعندما يوقع مقاولٌ عقدًا ويقبل قيمته المالية فلابد هنا أن ينجز العملَ حسب المواصفات الموضوعة تمامًا، وهنا يكتسب العمل المنفَّذ والمقاول القائم بالعمل مصداقيةً أخلاقية.

ولكن هل الواقع بهذه البساطة؟ لا بالطبع، فعالم الأعمال مليء بالممارسات الخاطئة، بعضها تعمدًا لتعظيم الأرباح، وبعضها نتيجة ضغوط من الفاسدين والمرتشين في الجهات التي يعمل تحتها رجل الأعمال. بينما لن يجد رجل الأعمال الأول تبريرًا لفعلته؛ لأنه تعمد بحريته المطلقة أن يغش، يعتقد الثاني أنه كان مجبرًا على الانصياع؛ لأنه سيتعرض لصعوبات أو خسارة محققة إن لم يرضِ نهمَ الجشعين الفاسدين. والحالتان تعتبران تصرفًا غير أخلاقي. نقطة آخر السطر.

لماذا كلا الرجلين فاسدين؟ لأن النتيجة واحدة وهي تمرير عمل، أو خدمة، أو منتج أو سلعة في الحالتين سيدفع ثمنها المواطن البسيط، الذي لا ذنب له في هذا ولا ذاك. عندما يشتري شخصٌ سيارة ودفع فيها كما نقول دم قلبه، ثم يجد أنها تتلف بسرعة بسبب سوء سفلتة الطرق الواضح، فكيف سيكون شعور المقاول وهو يرى ذلك؟ حتى وإن ادعى أنه مجبر. أعرف أن المقاول ورجل الأعمال ضعيف جدًا أمام أي استغلال أو تهديد من مشرف أو مسئول، ولكن نحتاج هنا الضمير والشجاعة.

أود أن أنصحك أن تكون أخلاقيًا طاهر السمعة من البداية، وأن تنفذ كل أعمالك بالحرف كما يقول النظام والقانون ودفتر المواصفات الرسمي، فالمصريون يقولون: «إمشي عِدِل يحتار عدوّك فيك».

وعندما يحاول أي متكسِّب أن يجرك لحمأة العمل اللاأخلاقي، ستصعب مهمته إن وقفت صارمًا، وقد نفذت كل ما عليك بالحرف الواحد. وقد تقول: إنه بإمكان المتكسِّب أن يعطلني حتى أثبت أني الصحيح، وهذا سيأكل وقتي ومالي ولن أستطيع المراهنة على مباراة تحَمُّل بيني وبين المرتشي المتكسّب. وهذا صحيح فليس لدى المتكسب ما يخسره، سوى ضميره الذي خسره من زمان.

وهناك الاتفاقيات المسبقة أي تتفق مجموعة من المتكسبين مع رجل أعمال على صفقة ما فيجعلون مهمة رجل الأعمال الذي يؤمن بالمبادئ صعبة في الحصول على الصفقة، ولكن هي في النهاية لعبة فساد، وإن دخلت لها فلن تكسب، بل سترهن نفسك عبدًا عند من قبلت أن تلعب معه لعب الرشوة والعمولة والفساد، وفي هذه الدينا الأمثال كثيرة، طلعتْ أسماءٌ كالصواريخ في دنيا الأعمال، ثم وقعت مرتطمة بأرض الفضيحة والنهاية.

فأول من افترسهم ولا أقول فقط تخلى عنهم هم المتكسّبون الذين مهدوا لهم الطريق للانتفاع السهل ثم طوح بهم للنار، عند أول رائحة إنذار. فعمليًا لا أجد المنجاة الخالصة الأخيرة إلا بالتمسك بمبادئك، وأنت مؤمن فلا تخف، فاللهُ دومًا سيجد لك مخرجًا.

وشيء أرجو الله أن يسامحني في قوله: لو اضطررت اضطرارًا تحت ابتزازٍ شديد القبول بتصرف لا تريده، فاحذر أن تجازف بجودة عملك في كل الحالات؛ لأنك إن فعلت فلا أجد طريقًا لنجاتك من الوعيد إن ظلمت الأبرياءَ الذين لم يضروك.

وأعانك الله.