ما الذي حدث لشواربنا يا رجال؟

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
توفي فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن البراهيم، وندعو الله أن يغمره برحمته، وأن يجعله نفسا مرضية تتريض بجنان الخلد. والعزاء القلبي منقول إلى الدكتور عزام بن محمد الدخيل ابن شقيقة الراحل، وإلى شقيق الراحل الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن البراهيم وشقيقته أم عزام الدخيل، وإلى ابن الراحل الدكتور عبد الرحمن بن محمد البراهيم، وإلى كل بناته وأبنائه.. ولا نخاف على الأتقياء الراضين المرضيين مثل الشيخ الفقيد، ولا يزيدنا اطمئنانا إلا من ترك بعده من الأبناء الصالحين ليحيوا أعماله البيضاء ويدعوا له الدعاء الجزيل.. يغفر الله للفقيد ووالدينا أجمعين.. آمين.
 
وفي الصفحة الثقافية يوم الثلاثاء الفائت من جريدة "المدينة" خبر يقول "دياب ينضم إلى إدارة نادي جدة الأدبي".. والأستاذ محمد صادق دياب مكسب استثنائي للنادي، وأعرف ذلك من قرب، فالرجل من طراز المثقفين الإنسانيين الساخرين بذوق راقٍ ومقصدي، وهو يذكرني بالأديب الأريب المصري ثالث ثلاثة "عصبة الديوان" العظام، المازني. فصاحبُنا مثل المازني كائن مثقف، وراق فوق الخلافات المتعصبة، ويعالج اختلافاته مع الآخرين بالسخرية الماكرة والمطيّبة بعطره الفكري النادر، كما أن أسلوب دياب كالمازني خفيف على القلب وراقص على السطور، ولا يثقلك استعراضا، ولكن يذهلك فكرا. ويبقى أن دياب المفكر من محبي التواري المتواضع ولا يفضحه إلا شروق فكره. خرج الدكتور المناع وهو رجل يترك فراغا كبيرا، ويدخل دياب ليملأ الفراغ لا بحجمه ولكن بإشعاعه. مبروك لمن؟ للنادي أم لدياب؟ لكليهما؟ طيب!
 
وفي جريدة "الرياض" عدد 27 حزيران (يونيو) الجاري، مقال طريف كتبه بجدية مطلقة، زادت من كياسة طرافته، الأستاذ ناصر الحجيلان بعنوان: (ظاهرة حلق الشارب أو تقليمه) فهو يكتب: "كنت أعرف أشخاصا في الأربعين وفي الخمسين من أعمارهم ولهم شوارب كثيفة، ولما عدت للسعودية بعد غياب وجدتهم إما بدون شوارب أو بخطوط رقيقة فوق الشفاه. وكان لي صاحب له شارب يشبه المِعول.. وحينما قابلته وجدت ذلك الشارب تحول إلى رقم ثمانية صغير يطرز شفته العليا.." ويلاحظ الكاتب أن ذلك قد يسبب مشاكل أمنية في اختلاف الصور بين الشارب الكثيف في الصورة والخطوط الدقيقة التي نتجت عن تقليم وتشذيب الشارب الهمام، وجاء من يفسر للكاتب أن الصغار يتبعون موضات خارجية، أما كبار السن فهو لتقليد أشكال المذيعين، أو بحثا عن صبا غارب، أو كما ذكر على مسؤوليته الخاصة، تذمر الزوجات من كثافة شوارب الأزواج.."همم!" والحجيلان ليس ساخرا بهلوانيا ولكنه من الساخرين الذين يحزمون معناهم الجاد بغلالة السخرية، والغلالة شفافة تظهر ما لم يرد أن يخفي!.. ربما خوفا على شاربه الأنيق الذي لاحظته على صورته الوسيمة. ولتتابع الطرافة فإن أحد قرائه المعلقين وهو خالد الحجي رد عليه بقصيدة لشاعر اجتزئ منها هذه الأبيات: قالوا حلقت الشاربيـن ويا ضياع الشاربيــــــنِ ويلي إذا ما أرهـفـــــا ذنباهما كالعقـربـيــــــنِ فإن أردت الأكـــــــلَ يقتسمان بينهما وبينـــي وإذا أردتُ الشـــربَ يمتصان ِ كالاسفنجتينِ
 
ومن أجمل ما قرأت، وهو درس إنساني كبير وفي الحقيقة درسان، الخبر الذي خرج في الصفحة الأخيرة من جريدة "الاقتصادية" عدد 27 حزيران (يونيو) الجاري بعنوان: "ثاني أغنى رجل في العالم يتبرع بـ 80 في المائة من ثروته للجمعية الخيرية" أما هذا الثري فهو "وارين بوفيه" المشهور في الأعمال وبكتابه المشهور، وهو درس في الكرم الذي يفوق الخيال من واحد من أعظم أثرياء الدنيا، أما الدرس الإنساني العميق الأثر الثاني فهو أنه لن ينشئ بهذه المليارات من الدولارات مؤسسة تحمل اسمه، ولكن سيحولها إلى مؤسسة منافسه الكبير وأول أثرياء الدنيا "بيل جيت" وزوجته "ميليندا".. طبعا الأخير لا يقل كرما عن زميله فهو قد تبرع حتى الآن بأكثر من 26 مليار دولار، الأول في التبرع في الدنيا أيضا. وهنا نعرف أن لأمريكا وجها آخر.. وهو وجه إنساني.
 
وفي عدد 27 حزيران (يونيو) خرج في قسم الكتب من صحيفة "التايم" اللندنية تقرير بعنوان: "راولنج تفصح عن الدواعي التي توجب موت هاري بوتر". وتعرفون أنها "جي كي راولنج" المؤلفة التي صارت من أغنى البريطانيات بفضل سلسلة الكتاب الأشهر، عن البطل الذي صار من أروج أسماء الأبطال في أذهان الأطفال وغيرهم وهو "هاري بوتر".. فلقد قررت السيدة "راولنج" أن تتخلص نهائيا من بطلها الشاب.. بقتله، وذلك في السلسلة السابعة من الكتاب والتي ستكون الأخيرة. لماذا تريد راولنج أن تقتل دجاجتها التي تبيض ذهبا؟ لأنها لا تريد لدجاجتها أن تبيض لأحد بعدها! يعني، لا تريد أن تتركه حيا بعدها ثم يستغله الآخرون ويطفئون نجاحها. وقدوتها في ذلك الكاتبة الأذكى عبر تاريخ الكتابة النسائية "أغاثا كريستي" التي قتلت بطلها صاحب الشعبية "هيركيول بوارو".. ولم يستفد منه أحد بعدها، ولم تنطفئ هي. وأنا أتفق مع "راولنج" فمن يتذكر الآن مخترع شخصية سوبرمان، أو طرزان، أو الرجل العنكبوت. هذه المرأة الظاهرة قررت أن تأخذ بطلها معها إلى الأبد.. لها وحدها!
 
وقفة الجمعة: خرجت الصحف علينا بخبر نفي وزارة العمل أن رؤوس أموالٍ سعودية هاجرت للخارج بسبب أنظمة وقوانين الوزارة. وهذا كلام صحيح جدا، فما ذنب الوزارة إن قررت رؤوس الأموال السفر، ومن قال إن السفرَ هجرة؟! ولكن بعض رؤوس الأموال تطيل البقاء في الخارج ثم تنسى أن تعود.. ليس إلا!
 
مسك الجمعة: من الشاعر الجميل الأحنفُ بن قيس: هي الشمـسُ مسكنـُها السـمـاءُ فعَزِّ الفؤادَ عزاءً جـــميـلا فلن تستطيع إليها الصــــــعودُ ولن تستطيع إليك النزولا مع السلامة..