الفقر .. عرَضٌ أم مرض؟

سنة النشر : 02/09/2009 الصحيفة : الاقتصادية


حدثني صديق من الهاتف المحمول، بصوت آسٍ وتنهد عميق، ليقول لي إن سيارته لا تكاد تتحرك من الزحام، ثم عرف أن حشدا غفيرا تجمع أمام القصور لتعطىِّ الهبات. وهي جموع يصعب تحديد مدى فقرها، فهناك من أتى لموقع التعطي بسيارته الخاصة، وبعضهم بالحافلات، ولم يأتِ واحدٌ منهم حافياً مرقع الثياب يقطع المسافات ماشيا. إنها الطريقة الخطأ، لأمرين مهمين. أمرُ منح الأعطيات التي تغري إما فقيرا حقا، أو من نهابي الفرص الفقيري النفس وضعيفى الكرامة، والأمرُ الآخر أنه يبدو حشرا لجموع من الفقراء، مع أن هذا إنذار خاطئ، لأن معظم المحتشدين كما لا تخطئهم العين - كما يقول صاحبي المتأسي - ممن لا تجوز عليهم صفة الفقير بأية حال..

هناك مهمة يجب أن نقوم بها كمجتمع، وكمتخصصين، ومن هيئات، وهي أن نحدد معنى الفقر في المملكة بحيث نتفق عليه جميعا، ومدى هذا الفقر.

يجب أن نضع بالمقاييس العلمية، والعملية، والمنطقية، حدّاً لهذا الجدل الدائر في كيفية قياس الفقر عندنا، ومن ثم كيفية إزاحته قدر المستطاع. وأن نحدد ونعرف من هم السعوديون الأكثر عرضة للفقر والأكثر إصابة به. الفقر مرض اجتماعي له من التأثير ما يقوِّض المجتمعات، وحصل في التاريخ أن الفقرَ غير حال الأمم، لأن الفقير، وهذا خطير، عندما يثور وينتقم وينقم فإنه لا يخسر شيئا، لأنه لا يملك شيئا، بل لعله في ثورته، وفي ضراوة غضبه، يحصل على شيء لم يكن ليحصل عليه وهو منطوٍ مستكين.

ومن الواضح أن اقتصادنا لم يعد يوفر الرفاهة والرغد للجميع، وهو لن يكون في استطاعته ذلك، لا في الحاضر، ولا في المستقبل، في الطريقة التي كانت عليه، فذاك زمان خاطف مضى، وكان يجب أن يمضي، لنصل إلى مرحلة الصحوة الواقعية، والصحوة الواقعية تتطلب عقلا صافيا للخروج بحلول عقلية صافية. بل إن اقتصادنا الآن - وهو واقع مسجل وواضح - لم يعد يفي بالضرورات الأساسية لكثير من المواطنين.

ومن الصعب أن نقول إنه تناقض، ولكن من المشاهد الصارخة بالمفارقة، أن تجد في مجتمعنا الاقتصادي وفرة عميقة من السيولات المالية ولكنها تدور في دوائر ضيقة، فهي كبرَك الماءِ المحبوسة، بينما يتطلب الاقتصاد الفاعل المتحرك المنتج والعادل، أن تنفتح قنواتُ البرك ليسيحَ الماءُ في القنوات، ويروي شساعات الأرض بدل أن يتخمر في مضايقها.

إذن نقول إن نظامنا الاقتصادي الراهن يصنع الثراء، كما يسبب الفقر. ظاهرة؟ نعم! وفي نسقنا في إيجاد الحلول، تتدخل الهيئة الرسمية من واقع الضغط الشعبي، والإحساس الثقيل بالمسؤولية الذي يكاد يعوق صفاء التمهل في القرارات الناجعة، فيعمل على الحلِّ السريع، والحلول السريعة هي مثل هذه الصناديق الصغيرة التي نحتفظ بها في خزانات الأدوية لوضع لصقات على الجروح، على أن اللصقة لا تعالج ولا توفر الصحة والمناعة والمقاومة في الأجل الطويل.. ولكننا نضع اللصقة على الجروح ولا نعلم بالضبط إن كنا نود العلاج، أم أنها إيحاءات الملامة تريد أن تصد عنا مناظر الدم.. ويبقى الدمُ ينزف تحت اللصقات. وهذا ليس انتقادا للحلول الرسمية، ولكنه انتقاد للمنظومة كاملةً.

الحقيقةُ أنه من الأفضل أن يقلَ التدخلُ الرسميُّ ويفعـَّل العملُ المجتمعي، والجمعي. على المجتمع أن يعمل شيئا لرفع مناعته بنفسه.. هذا قبل كل شيء. على المنظرين وأصحاب الخبرات والهيئات الاقتصادية المستقلة، أو شبه الرسمية أن تعمل بجد، وبكامل طواقمها، وكفاءاتها، وأن تتولى فعلا كرسي القيادة لاستشراع الحلول، لأننا نحتاج لسياسات اجتماعية يكون هدفها التصدي لمرض الفقر، ومكافحة البطالة ضمن هذه المنظومة العلاجية الحقيقية التي قد تستغرق وقتا طويلا، ولكنها في النهاية تعطي الحلول المريحة الطويلة، طبخ الحلول يفسد كامل الطبخة، وعندما تفسد الطبخة، لن يكون هناك وقت ولا معنى لرفع المناعة والمقاومة، لأن الوهنَ يكون قد سرى في الجسد، فارتخى وامتـُصَّت طاقتـُه. إذن في محاربة البطالة، لا يستسيغ العقلُ أن نقوم فقط بدسِّ خِرَقِ الوظائف البالية في الجـُدُر الوظيفية، فإنها تتعطّن، ثم تنخر كامل الجدار.

السياساتُ الناجعةُ هي التي تؤيد وتعزز التوظيف المُنتـِج، وليس التوظيف الذي يزيح عنا همَّ اليوم، ثم الغدُ يوم جديد.. الحقيقة أن الغدَ سيأتي بمشكلة جديدة! توزيعُ الفرصِ العاملةِ في أرض العمل الممتدة من أجدى الحلول، إن اقتصار الدورات المالية على الميادين المحدودة والضيقة، وخلق الولع بجمع المال السريع والمريح، والذي لا ينوع الأعمالَ، ولا ينسج العضلات، ولا يزحُّ العرقَ، لا يمكن أن يكون اقتصادا حقيقيا يوفر مجالا لفرص أعمالٍ كثيرةٍ حقيقية.

لا يمكن أن نقول إننا مجتمع يعثُّ به الفقرُ، إن لم ندور المالَ، ونوسعُ الميادينَ ونشقَُ القنواتَ، ونهيئ العقليةَ العمليةَ كاملة في المجتمع كاملا.. إن الفقرَ موجود، بل موجود جدا.. ولكنه موجود ليس لأننا لا حيلة لنا فيه، بل لأننا لم نتلمس الحيل لنزعه من الوجود! لا بد من إصلاحات اقتصادية تفسح للمشاركة الفردية في المجتمع، لأن لكل فرد الحق أن يتمتع بثمرات اقتصاده، ولكن بشرطين، أن يتنوع الثمر، وأن نتعلم تسلق الشجر للقطاف.

عندما نموت جياعاً تحت الشجرة المثمرة فهو ليس ذنبها! اختفى صوت صاحبي.. وأرجو ألا يكون قد ترجل من سيارته، ومنعا للملل، انضم لتلك الحشود!