محمد بن علي العبار.. قل لي: من أنت؟

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
عندما يلوح في أي مكان، وفي أي وقت علم شركة "إعمار"، ترى العمل خفاقا يحمل وجها خليجيا صرفا، وبملامح مهادنة، وشباب ثابت وكأنه عثر على إكسير الحياة. الوجه للرجل الذي يريده الناس أسطورة، أو أنه يقدم نفسه ليكون أسطورة: "محمد بن علي العبار" ابن دبي، الذي خرج من عائلة عادية المستوى في الراشدية بدبي ليكون على ناصية قيادة أكبر تخليق استثماري عقاري في الدنيا.. لذا يختلط دمُ العبار مع مال إعمار.. ولا تدري من منهما أكثر تأثيرا وقوة، الشركة أم الشخص.. ولأنه سيبقى سؤالا بيزنطيا دعنا ندخل في الموضوع إذن.
 
دبي فيها ظاهرة عجيبة وغير قابلة للتعريف المحدد، أو الوصف المقولب، ظاهرة الشخصيات الكبيرة التي تصنع صورة دبي العالمية وهم في منطقة رمادية جدا، ليسوا رسميين صرفين، ولا رجال أعمال صرفين، ولا إداريين كبار صرفين.. أو أنهم خليط من العناصر الثلاثة، فحينا يبرز عنصرُ على آخر حسب الأحوال، وطبيعة الخطة، واتجاه رياح المصالح.. هم شخصيات أثرت في نخاع البنية التطويرية لدبي من البداية، وما زالوا يديرون امبراطورياتهم وكأنها مستقلة عن دبي ولكن من أجل دبي، أو كأنها امبراطوريات من قلب دبي لحما ودما وانتماء ولكن الجهاز العلوي في كل منها وهو الدماغ مستقل إلى حد كبير.. وأهم صناع وصائغي الشكل العام لدبي التي تظهر به قشيبا فخما و"غازيا" وطموحا شخصيات تنطبق عليهم صفة الأباطرة من وحي تلك الصفة الغائمة التي تماوهت بين دوائر الرسمية والأعمال وكبار الموظفين.. ولم تستقل بهم صفة من الصفات.
 
ستجد أن شخصا تنحسر عنه الأضواء قياسا أمام الأباطرة الجدد في دبي هو الأكثر عمقا في ذاكرة النهضة النوعية لدبي، وهو السيد "سلطان أحمد بن سليم" الذي تربع قيصرا على منطقة جبل علي الحُرّة أو ما تسمى رسميا "بسُلطة جبل علي". وهو اسم يتكرر في دبي ويعطيك انطباعا بقوة القرار في هذه التخليقات الإدارية الحيوية.
 
بدأ ابن سليم من قمة السلطة في تدفق العمر الشاب، وملأ المكان بطاقته وذكائه وطموحه من أيام الأب الحاكم، وأُعطِيَ صكـّا مفتوحا لإدارة سلطته، وكان قرارا بازغا صنع ضربة الريشة الأولى في اللوحة التي عرضتها دبي في الجاليري الكوني.. وهناك الرجل الذي صار يأخذ مساحته الإشعاعية مستويا ومتئدا في سماء دبي "محمد القرقاوي" رئيس مجلس إدارة دبي القابضة، وهي التي تقود الحركة الاستثمارية تجاريا وعقاريا وتطويرا للمشاريع في دبي والعالم.
 
وصار القرقاوي رجلا دوليا يجالس الملوك ومسؤولي الدول (وهنا معضلة هؤلاء الرجال التي قد تكون مثل الشد العضلي الذي يصيب المتسابق وهو يجري في المضمار، وسنعالج ذلك مع نجمنا اليوم "العبار") .. وأنا أرى تداخلا عنيفا بين دائرتي "دبي القابضة" "وإعمار"، ونرجو ألا يخلق هذا تنافسا مشحونا بين الشركتين، أو بالأحرى بين الشخصين.
 
ورجل نجاحه يجوب أجواءَ العالم حرفيا، وهو رئيس طيران الإمارات السيد "أحمد بن سعيد المكتوم". "الإمارات" هي نجمة نجوم الطيران، وترتقي وتكبر وتتوسع كل يوم وتحقق تفوقا إداريا في الإدارة الجوية تجعل مستوى ارتفاعها يزيد أقداما كل لحظة.. وبالمناسبة، أتساءل دائما لم اختارت دبي أن تطلق على خطوطها اسم الإمارات وليس دبي؟ وسيبقى الجوابُ معلقا بلا إجابة، أو أن الإجابة تتطلب إجابات قد يخالفها التوفيق، ولكني سأميل إلى الروح الوطنية كمدعاة لهذه التسمية.
 
نعود إلى شخصيتنا اليوم السيد "العبار"، فهو رجل استثنائي بحق. رجل من الرجال النادرين الذين يأكلهم طموحهم من بدء وعيهم بمعنى الحياة، فلا يربطونها إلا بالنجاح ويكون النجاح بالنسبة لهم هو المقصد وهو المبغى، وكأنهم يغوصون في بحر بلا قرار.. ويواصلون الغوص. وكون العبار من الناجحين الأفذاذ لا يعني ألا يُهدَّد من النجاح ذاته! كيف؟ عندما تلعب خمائر الدماغ بمعادلات تخرج عن تفاعلها المعتاد، تصير هناك قيادة غير مرئية للتوجه الفكري للشخص، فتجد كثيرا من الناجحين يعطون نفسهم أدوارا تضرهم لأنها إما خارج ميادين براعتهم أو لأنها خارج تخصصاتهم، أو أنها خارج قدراتهم.
 
 وهنا يضيع الناجحُ وبالذات رجل الأعمال لما يبدأ يخلع على نفسه أدواراً أخرى يريد أن يصيب النجاح والشهرة والتفرد في كل محفل، وأن يكون العريس في كل عرس.. لقد حلق عاليا العبار وصار أستاذا للتفوق الإداري وهذا ما نريد أن يحرص عليه، لأن الخمائرَ العقلية تلك تدير الرؤوسَ وتصنع خيالات الهيمنة والعظمة فتفسد مكونات النجاح في شخصية الناجح الكبير، وخصوصا محرقة النجاح العملي .. السياسة! لقد أفسد العبار على نفسه هالات النجاح الصافية وكدرها بما تناقلته الأنباء عن اجتماعه مع كبار السياسيين في إسرائيل ويبرر أن نيته حسنة ونحن نصدقه، فلا خيار لنا غير ذاك، ولكن نـُسـِر في إذنه أن الطريق إلى جهنم محفوف بالنوايا الحسنة.
 
إن خروجه للعمل السياسي ( سياسي ولو غـُسل مليون مرة) سيخلط كل المفاهيم حوله، خصوصا أن الخطأ تسرطن لأنه بدأ خطوته هذه مع إسرائيل. وهو لا يملك تبريرا فلا هو دبلوماسي، ولا شركته معنية بالشأن السياسي مهما كان إنسانيا، ثم هؤلاء الداخلين قسرا في شقوق السياسة إما أن يحرجوا حكوماتهم أو يقودوا انطباعا بأنه أمر من حكوماتهم، كلتا الطريقتين غير ناجعة أبدا.
 
العمل الإنساني معروف وبإمكانه، بشخصه أو بشركته بموافقة الشركاء،المشاركة بهيئة لغوث أهلنا في فلسطين.. وهناك محرقة أخرى، وهي محرقة حب الظهور في المشهد وحيدا، ونعرف ألا مسرحية تستقيم بممثل واحد، فنحن لا نعرف طاقما بشهرة العبار داخل إعمار، ثم أنه دخل أعمال البنوك وهنا تنويع غير مرغوب، ولكنه في الشأن الاقتصادي فلا تثريب، وأيضا لم نر في بنك السلام إلا العبار.
 
إن النجوم يا أخي الناجح جدا تشرق وسط النجوم، وبعض النجوم مع ذلك تبقى أكثر سطوعا. لحقتنا مساحة المقال، ولكني أقدم "محمد بن علي العبار" كطراز عربي خليجي عالمي بارع للنجاح.. وضراوة الطموح!