نساؤنا.. بين التحدي والاستجابة

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
رأيت قبل البارحة برنامجا تلفزيونيا في القناة الثانية في التلفزيون السعودي، لم أنتبه لاسم البرنامج، ولكن كانت تقدمه فتاة سعودية تتكلم الإنجليزية باللسان الأمريكي الصرف، وكان معها مقدّمٌ شاب وضيفان، وامرأة شابة وهي التي لفتتي وشدت ملاحظتي أكثر.. وسبب ذلك، أنها كانت تضع الحجابَ الصارمَ الذي يغطي نصف الجبهة وينال نصف الذقن حافا بأطراف الفم، ويخلو وجهها تماما من أي آثار الماكياج، وهي صامتة مطرقة كل البرنامج (الحقيقة الفترة التي رأيتها من البرنامج) ولا ترفع رأسها للحديث إلا عندما تسألها مقدمة البرنامج.. قدمها البرنامج بأنها من آل الزاير، وهي عائلة مرموقة من عائلات القطيف.
 
ثم سألت نفسي: لقد صارعت هذه المرأة الشابة غريزة نسائية غالبة للتزين، فكيف وهي تخرج على الناس في التلفزيون؟ ثم إنها لم تكتف بذلك، بل شدت حجابا صارما لا مغالطة فيه ولا مواراة، وحسبما يمليه عليه مذهبُها بلا تعديل ولا نقطة خروج.. وهنا تذكرت مؤرخ الإنسانية الكبير "أرنولد توينبي".. .. تعرفون أرنولد توينبي؟ إنه واحد من أعظم المؤرخين في عصرنا، وإذا أضفت حاسته الفلسفية المتقدمة في مظاهر المجتمعات الحيوية عبر التاريخ ومن عين الحاضر، فلن أتردد أن أصنفه بأنه أعظم مؤرخ فيلسوف ظهر في القرن العشرين.
 
ومن أقوى نظريات أرنولد توينبي نظرية شهيرة، هي نظرية التحدي والاستجابة Challenge and Response، والنظرية بتبسيط واختصار هي خلاصة دراسة توينبي في الحضارات وتاريخ الأمم (أو كما يسميها أحيانا "تجارب" الأمم) فهو يرى أن الحياة كلها عبارة عن عملية تحدٍّ واستجابةٍ مستمرة ومتواصلة.
 
فالكائن الحي يخرج للحياة مواجها تحدي الفناء من أول لحظة، فهناك الجوع والمرض وظروف الطبيعة وهذه عناصر تتحدى وجوده، وعليه إذن - وهنا شق الاستجابة - أن يحدد موقفه من ذلك التحدي، فإما أن يستسلم له حتى يندثر أو يضعف ويموت، وإما أن يواجهه بقوة ليصارع للحصول على القوت والأمان وكرامة الوجود.
 
و"توينبي" يطبق هذه النظرية بتفوق عبقري على بقاء الأمم أو سقوطها، وعلى شدة حضورها أمام الأمم الأخرى، أو تواري هذا الوجود وانطفائه، فالدول التي تقبل التحدي وتكون استجابتها لذلك إيجابية وشجاعة وصارمة فإنها توفق في التطور وتمتد في البقاء، ويعطي مثلا في استجابة المصري القديم لظروفه، ومهارته الخرافية في السيطرة على نهر عملاق كثير الغضب، في تجفيف الغمور من الأراضي التي تحف به، وتنظيم القنوات، وهندسة الري.. ثم إقامة حضارة تشرق على العالم إلى اليوم.
 
بينما يعطي مثلا للاستجابة السلبية للتحدي مثل الهندي الأحمر، فهو عبر الحِقـَب لم يتكيف مع ظروف الطبيعة ولم يستغلها، وكانت الظروف المعادية الطبيعية تقضي عليهم بالآلاف، ولم يتخط أبدا مرحلة الإنسان البدائي.. كان همه ليس التطور، بل البقاء Survival لا أكثر! .. ولقد درس "توينبي" الحضارات بتمعن، ولكونه مذهلا بدقة دراساته وشمولها وحياديتها، فقد حمل تقديرا استثنائيا للحضارة العربية الإسلامية (كما حملها للحضارة المصرية، ولكن بتعابير أبهى لصالح العربية الإسلامية، في مسألة رفدها النوعي التطوري للمصب الحضاري الإنساني العام) وجعلها نبراسا لنظريته في الاستجابة الإيجابية لضراوة التحدي.. وأنظر إلى البرنامج، وأرى السيدة الشابة من آل الزاير، وأقول إنها كانت أمام تحدِّ كبير في إما أن تظهر بكامل زينتها وإما لا تظهر، أو تظهر بحجابها الصارم استجابة إيجابية للتحدي.. وهنا ـ إن أمعنتَ فيما كتبتُ سابقا ـ إصرار على ما نسميه كرامة الثبات أو الوجود.
 
والعالمُ دأبَ في المشرقين والمغربين على الوقوف احتراما لمن يثبتون على مبادئهم الصريحة الهوية، ويفخرون بها. في الأمس كتبت في المقتطفات عن الدكتورة "حسنة علي الغامدي" وهي قد اختيرت كواحدة من ألف شخصية مهمة لبحوثها المستفيضة في أمراض الدم والأورام، ولا شك أنها شاركت بمختبرات وفرق عمل عالمية وتستغرقني نظرية التحدي والاستجابة وهي المرأة المنقبة ( بشيء يفوق الصارمة قليلا) في قدرتها وثباتها على استقبال ظروف تحدِّ هائلة جدا، وتطويعها إيجابيا وثباتا بحيث تقدم كل بحوثها الدولية والمحلية متغلبة على كل الدواعي التي تتهيأ كظروف لنزع النقاب ـ وقد يُـختـَرعُ لها ألف عذر- وتسخر الاستجابة للتحدي إيجابيا فتنال الكرامتين: كرامة الثبات والرسوخ، وكرامة الفوز.. وتبدو النظرية وكأنها مفصلة تفصيلا على الدكتورة حسنة. وكتبتُ عن الدكتورة "هويدا القثامي" ورأيتها بصورة الجريدة وهي تظهر بحجاب ولباس وقور، وتذكر أن الدكتورة هويدا تعتبر أول استشارية أولى لجراحة القلب في الشرق الأوسط.. بل، الثانية على كل العالم.
 
ولا ننسى الدكتورة الطويرقي التي كانت محط انبهار وأخبار الأنباء لكشوفاتها العلمية ونقابها الذي رأيته في كثير من صحف العالم.. بل ابتسمت يوما وصورتها على ساند الجرائد في مطار هونغ كونغ.. ابتسمتُ وكأنها تستقبل التحدي من وراء النقاب.. ومضيت أتحسس عنقي فخرا.
 
نسمع الآن أن دورَ النساء قد أتى ولا نعرف كيف هذا الدور يأتي أيضا بقرار أو تحديد دقيق لوقت، ولم نعرف ما طبيعة هذا الدور الجديد. دور النساء موجود من القدم، وهو يتغير ويتبدل حسب قبول الأمم التحدي، فيبزغ متى ما كانت الاستجابة مستقيمة كالرمح يشق الريح، وتأتي متى ما كانت الاستجابة سلبية عوجاء لا تستقيم.
 
.. إنها عينة فقط من نسائنا العظيمات، وهن يعلمننا تطبيقا وتجربة ونجاحا، كيف نبني مجدا "حقيقيا". رمح يشق الريح .. من جديد