سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
مليكنا المحبوب يتمتع بحس استثنائي في مسألة اللاقطة الشعبية والإحساس برغبة الجموع، ثم التفكير في تحويل آمالهم وأحلامهم إلى واقع ما أمكنه، ولكن الشعب، أي شعبٍ في العالم، لا يجب أن يكتفي بالأمل والحلم، فلا هو زاد ولا هو مال ولا هو مادة تقبل الإنتاج والتمثل.. لا يُقبـَلُ الحلم ُوالأملُ إلا إن كانا مفتاحا يشغل محرك همة الشعوب للعمل والجد وتحري مظان التقدم ووسائل الإنتاج.
على أن الشعب متى استحق ذلك، بوجود هذه المهة، فتكون مهمة الحكومات إذن إمداد الوقود لهذه المحركات لتشتعل وتدور وتنتج. هذا ما دأب الملك عبد الله على فعله، فهو يركز بإفصاح جاد على أن المهمة الآن هي اقتصادية واجتماعية، وهما متلازمتان تلازم العربة والمحرك، وتلازم العقل والإرادة، وتلازم الرغبة مع قوة التنفيذ. ونجد أن المنطقة الشرقية بالذات تستحق أن تكون مكانا أنموذجيا لتفعيل الطاقة الكبرى التي تتمتع بها طبيعة المنطقة من ناحية الثروة الأرضية، والموقع الجغرافي والتركيب الاجتماعي- السكاني.
لا يمكن ألا يتنبه أحد إلى عناصر الانبعاث الذي يقود إلى إنجاز ازدهاري في هذه المنطقة متى جمعت هذه العناصر وبوبت ثم صنفت لتشكل منظرا عاما لما يمكن أن يكون محطة انطلاق جيدة وثابتة للازدهار. ونحن لا نحتاج إلى إيراد الأدلة لأن الشواهد تملأ النظر كما يمتلئ النهار بالنور.. متى عرفنا أن دم العالم الاقتصادي ينبع من قلب المنطقة، ومتى علمنا أن ازدهار الموانئ القريبة في الخليج الأسطوري يعتمد بشكل كبير على اقتصادنا وقوى سوقنا الفاعلة. ومتى عرفنا أن من الممكن أن نؤسس لأكبر شبكات موانئ ومطارات في كل غرب آسيا، ومتى عرفنا طاقاتنا العقلية المتاحة ـ وأقولها بواقعية - من العقليات المؤهلة تماما للقفز على قمرة قيادة في السماء العالمية، فعندنا عقول وطنية تدير أكبر شركة نفط في العالم، وعندنا خريجو جامعة خريجوها في قيادات القطاعات الحيوية في البلاد وهي جامعة الملك فهد للبترول.
(وإن كنت أشعر بحسرة مرة بأن مستواها كان يجب أن يتواصل في الارتقاء، فمن يعرف هذه الجامعة والفلسفة المقامة عليها علميا وأكاديميا وتطبيقيا لا يمكن إلا أن يحبس غصة من أعماق الفؤاد لما تخرج قائمة بأحسن 500 جامعة في العالم ولا تكون بينها. هذه سؤال فيه ألم أكثر من العتاب أتركه بين أيادي مخططي الجامعة ووزارة التعليم العالي..) وفي المنطقة غالبية الناس في فئاتهم العمرية المختلفة من المتفتحين، ومتوائمين مع الشأن العالمي ومختلطين مع أسواقه وناسه من عشرات السنين اختلاطا مباشرا في أكبر المشاريع من ألفها إلى يائها.. وقضية تدريبهم وتفاعلهم مع القادمين من كل أنحاء العالم لأي مهمة عمل أو مشاركة متيسرة ومعروفة وهي قد تكون شأنا تقليديا. ونوقن أن مليكنا يهدف إلى أن تقود المنطقة إداريا (من ناحية التخطيط الناجع أولا) إدارة تستحقها أهمية المنطقة الاستثنائية، في وقت استثنائي. هنا يجب أن نفعل كما يفعل الخياطون المحترفون من وضع خريطة التفصيل قبل أن يقص القماش لخياطة الزي المطلوب بزيه وحجمه وشكله النهائي.. هذا مهم.. ماذا نريد لشكل المنطقة النهائي أن يكون؟ الفكرة التخيلية الواضحة تسهل رسم خريطة التفصيل، ورسم الخريطة يسهل خياطة الزي بشكله النهائي المتخيل مسبقا.. كيف؟ بما أننا عرفنا منطقيا أن خياطة بدون خريطة ما قبل التفصيل ستقود إلى صنع زى كيفما تفق، فهذا الزي سيكون معرضا، أبـّدا، للتحوير والتغيير، والتوسيع حتى ينتهي الزي ولا يبقى ألا رقعا لا تنتمي لبعضها. فتخيل ما نريد لمنطقتنا أولا، شيء مهم، وبنظرة المليك الاقتصادية والواقعية النافذتين سيرى وضوح خطوط الشكل قبل أن يتكثف ليكون الصورة النهائية.. والصورة النهائية ليست نهائية قالبا، ولكن هي مرنة قابلة للتطويع، والتوسع ولكن روح التصور التخيلي هو الذي يبقى. ودائما نقول دبي.. وهذا شيء لا نقدر أن نلف رؤوسنا عنه وهي تجاور أرنبة أنوفنا، ولكني لن أعطي دبي الآن فضيلة إبداعية، ولا قدرة تصورية تخيلية، ولكنها وضوح الشكل النهائي ثم تتبع خريطة تفصيلية بخريطة لم تعدها دبي تأسيسا ولكن اقترضتها - إن لم نقل نسختها في البداية - لتكون زيا واضحا ثم يقبل الزي التعديل والتطوير بعد ذلك. أما خريطة تفصيل الزي الذي اقترضته دبي كان ببساطة.. سنغافورة. قال أهل دبي بتلقائية ذكية وخاطرة تضرب في الزمن: نريد سنغافورة هنا.. على رمالنا، وفي سواحلنا، ووراء بحرنا.. وهذا ما كان.
حتى جاء يوم زاحمت دبي سنغافورة التي قلدتها في أهم صناعاتها التي خلبت لب العالم وسُميت أعجوبة الهادي، زاحمتها وربما تتفوق عليها في أهم فنونها، الفنون العملية التي تحلب مالا من الهواء والسماء، والماء.
صارت دبي مهبطا عالميا لإعادة التصدير في كل آسيا، ثم صارت تتفوق على درة درر سنغافورة الممثلة في سلطة موانئ سنغافورة التي كان يقال عنها أنها تدار بدقة ساعة سويسرية، وأخذت من بين يديها أهم محطات البحار والمرافئ ورسمت طرقا واسعة في أعالي المحيطات باسم دبي.
ثم مفخرة سنغافورة خطوط طيرانها التي كان شعارها أنها حلم العالم وماسته البراقة السماوية، فيأتي طيران الإمارات يطوي الأجواء ليزاحمها في الآفاق. لا بأس، سنغافورة تخترع، وتبتكر، ودبي تأخذ وتطبق وتنسخ.. ولكن المضي في الطريق بعد ذاك والمنافسة إبداع يتربع على عرش الإبداعات.في المنطقة الشرقية، والمليك في الجبيل وفي الظهران، وأمام بحر الخليج وهو يطل عليها بعينيه، يدور عقله العملي الاقتصادي ليبني شكلا نهائيا للمنطقة ليرتفع نجم مضيء أصلا ليأخذ مكانه هناك.. في سماء النجوم العالمية.
لن يكن غريبا أن يرى المليك أن أكبر محطات الضخ، والتكرير صارت عندنا جزر عملاقة تمد العالم بطاقته الحية، ولن يكون غريبا أن يراها مهبطا عالميا لأكبر المشاريع حتى المنعتقة من لقائم النفط، ولن يكون غريبا أن تكون أكبر محطة حاويات مدارة بالعقول الإلكترونية ومتصلة بالقارات في ميناء الدمام ومينائي الجبيل وحتى موانئ أو توسعات مينائية جديدة، ولن يكون طموح مليكنا أمام مطار ضخم لا يملأ صحنه إلا فرادى الركاب، إن لم يكن مصب مسارات الجو في الشرق الأوسط كله. الموضوع مهم ويطول ويقودنا إلى شأننا الأهم، وهو إدارة ناجحة ثبتت في أرامكو قد تكون هي مقياسا إداريا نمطيا لكل المنطقة.
وجامعة الملك فهد يجب أن تحافظ على ألقها وتقدمها، وأن يكون بجوارها جامعات ومعاهد عليا مماثلة.. وأن يكون الناس أكبر وعيا لإدراك الحلم الكبير لا الغوص حتى الدماغ في الأسهم، أو التلهي بحوارات ساذجة تضحك الناس علينا وهم ماضون يلتقطون فرص التقدم من وعلى كل طريق.