سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
* جاءت خطبة الملك في المؤتمر الاقتصادي بجدة كما تمنيتُ تماما في مقالتين متتابعتين خرجتا في "الاقتصادية" بعنوان" غلاء الأسعار العالمية، هل نحن السبب؟". وضَّح الملكُ عبد الله أمام العالم أن السعودية لا تستجيب طروبا على إيقاع ارتفاع الأسعار في الوقود، وأنه في الحقيقة يقلقها وضع صعود الأسعار، لأنها تعلم عاقبة هذا على الاقتصاد العالمي، خصوصا العالم الفقير، وهو معظم العالم، وهي لا تريد أبدا أن تشهد كابوس كسادٍ أرضيٍّ جديد. وطالب الملك عبد الله بمعرفة الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار، بإشارة واضحة إلى سوق المضاربة المستقبلي بالسلعة الحيوية في بورصات العالم. كما أعلن الملك الطرف الآخر من المهمة الكبرى، وهو إظهار الصداقة والاهتمام الحقيقيين مع المجتمع العالمي، في المساعدات التي أعلنها الخطاب الملكي كعنوان عريض بأننا لسنا مجرد تجار نفط، ولكننا فاعلون إنسانيون في سبيل حياةٍ أفضل للإنسانية، لأننا عضو في هذا المجتمع الكوني، وسيلحقنا في النهاية كل ما يتعرض له بالمصير. وفعلا عمّ نسيمٌ هادئ استرخائي في الدوائر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عبر العالم، في وقتٍ ثارت فيه عناصرُ الأرض أعاصير وزلازل كسحت في طريقها إنجازات الإنسان وحياته.
***
* وبمناسبة الحديث عن غضب عناصر الطبيعة، فهو غضبٌ لا يوصف، وروع لا تنقله مجرد كلمات على سطور، إنه شعور من خليط سميك متماسك من الرهبة والعملقة والجبروت، والطغيان، ورؤية الحتف النهائي مجرد ريشة في عين دوامة الأعاصير..غضب طبيعي بفورة البحار متحدة مع سطوة الرياح الجبارتين ليخرقا طبقات الجو ويحملان جزرا بكاملها ويطوحان بها للهلاك.. باقة الأعاصير في بحر اليابان والصين، وصحن الهادي الأوسط حيث الأرخبيلين الفلبيني والإندويسي لهما أسماء تيمنية، ولم تنفع هذه الأسماءُ في إطراء ضراوتها العاتية.. ولكل شيء وجه آخر حسن ولو بعد حين، فحممُ البراكين التي تصب لهيبا من المعدن المصهور على الأرض تنقلب بعد أحقاب لأخصب تربة الأرض، والتايفون عندما يمر بعيدا عن الجزر في عرض المحيط فإنه يجلب معه لها مواسم الأمطار فتنفع الزراعة والناس، وهذا هو ما كان يعمله "فرانك".. و"فرانك" هو الاسم الذي أُعطيَ للتايفون (الإعصار البحري) الذي عادة يدور كحبل هائل معقود من مئات ملايين أطنان المياه والرياح شمال الأرخبيل الفلبيني وعادة ما يضرب جزيرة سامار متجها غضوبا للجزر اليابانية، أما الجزر الفلبينية فتنفعها حواشي النتائج بمواسم حميدة من الأمطار تسقي الأرض وتزيد المحاصيل.. وهذا ما توقعه راصدو الأجواء في الفلبين، ولكن فرانك مكـَر هذه المرة وخادع، وانقلب عائدا على وسط لوزون كبرى جزر الفلبين وعاث فسادا في المحاصيل، ورفع القرى من الأرض، وقتل المئات من الأرواح، أطار أسقف البيوت كرذاذ الخشب بدوامات الهواء، وخرب الجسور والطرق وأطلق العنان للفيضانات لتغمر النجوع.. وكان الهول فوق الوصف، وخلف أي حد للمشاعر. وعندما عادت الأجواءُ لطبيعتها، وكأن الجزر الفلبينية تساوت على الأرض بعد أن سقطت من الأجواء.. والخرابُ عميق، والخسائر موت ودموع وأراض خربة.. وقوافل بشرية من الضياع للتيه.
***
* من يعلم كم أخذ فرانك معه بحصيلة الموت النهائي؟ لن يعلم أحد، أُحصِيَ من على الأرض، ولن يعلم أحدٌ كم بلعت مياهُ المحيط، فهناك عشرات آلاف القوارب للصيادين، وتجمعات ساحلية صغيرة، وجزر لا تـُرى بمجهر الخرائط، وعابرات صغيرة تنقل أجسادا متراكمة من ساحل جزيرة لساحل أخرى.. وكانت كارثة العبـّارة " أميرة النجوم" هي الدراما الأكبر، انكفأت العبارةُ على نفسها في المياه الضحلة قرب جزيرة "سيبويان" في منطقة "ربمبولون"، وصارت مصيدة موت لأكثر من 800 مسافر ماتوا موتا بطيئا. ملحمة الإنسان مع غضب الريح والبحر كانت "أميرة النجوم" بطلته الأولى، بتراجيديا أبكت الفلبين، ومن تابع في العالم.. ولن يعرف أحد عن باقي القوارب التي تجوب البحرَ طلبا للحياة، ففقدت الحياة!
***
* العالمُ صغير.. ذكرتني كارثةُ "أميرة النجوم" الفلبينية، بعبارة السلام المصرية، فقد ثارت الأسئلة بمن سمح "لأميرة النجوم" بالإبحار من ميناء مانيلا، ومؤشرات الإعصار سجلت درجة واحدة بمؤشر الأعاصير، وكما صار في "السلام" طارت أصابعُ الاتهام للشركة المالكة للعبـّارة "خطوط سلبيسيو" شركة النقل البحري الأشهر في الفلبين، وبين سلطات الموانئ التي سمحت للسفينة بالإبحار ولعبت الصحافة كالضباع على رقصة أحداث الموت، وعم الغضب ساريا بالرأي العام.. وكبرت الاتهامات، وتعالت الأصوات من أكثر من جهة.. وكما حدث في عبـّارة السلام، يُعثـَرُ أخيرا على السبب وراء الكارثة، ينجو منها الأحياءُ المرفهون.. ويتحملها غموضُ وهدوءُ الأموات الأزلي. الغلطة، غلطة القبطان.. هه!عالمٌ صغيرٌ ومتشابه في التنـَصـُّلِ والجُبن والإهمال..
***
* قبل 20 عاما من انكفاء العبارة "أميرة النجوم" التي تملكها شركة " سلبيسيو" على من بها، حصلت كارثة أخرى، حين اصطدمت العبارة "دنيادياز" بناقلة نفط خارج مياه جزيرة "مندورو" الفلبينية.. وكانت حصيلة الموت حينها تعدت أربعة آلاف و390 روحاً، حتى الآن، أكبر كارثة بحرية مدنية في العالم.. أما مالك العبارة "دنيادياز" فهي شركة" سلبيسيو".. وكان السبب طبعا: القبطان!
***
* كتاب الجمعة: كتابٌ أدبيٌ عميق وخفيف وجاد ومرح معا عن أكبر شاعرين عرفهما تاريخ الأدب الإنجليزي، "وليم شكسبير" و"جون ملتون".. وعنوان الكتاب: "هل ملتون أفضل من شكسبير؟" Is Milton better than Shakespeare? ويقول المؤلف "نايجل سميث" إن ملتون أفضل ويتحمس له بكل الكتاب، ويتفنن في اختيار مقاطع لملتون يبين فيها عضلاته اللغوية، واستعاراته وفنونه الأسلوبية، ومواضيعه الإنسانية في الحرية والتحريض لتطور البشرية، مُهمِلا بتحيزٍ تام شكسبير ويصوره بأنه مصارع أخذ حزام البطولة دون أن يضطر للقتال داخل الحلبة، بعكس "ملتون" الذي قاتل لأربعين عاما مجندلا منافسيه.. وفي رأي النقاد أن شكسبير غنائي جميل وحكيم لطيف العبارة وملتون ضليعٌ صخري العبارة، وفي رأيي أن شكسبير يمتع محبيه، وملتون يتعب محبيه. ويذكرني هذا مقارنة بالأدب العربي الحديث بغنائية وحكمة وموسيقى شعر أحمد شوقي، وصلابة وعمق ووعورة والجمال الخبيء في شعر العقاد.. وأحمد شوقي لم يضطر أن يقاتل داخل الحلبة، بينما العقاد لم يترك حلبة إلا وخاض فيها الصراعات.
***
* لم تنشر لي أخيرا مقالاتٌ في بعض الصحف، أما السبب فهو طبعا.. القبطان!
في أمان الله..