يا عم فيل: ولـَّعْ لي!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

ما أشهر ماركة على الإطلاق على الكوكب؟

من هو أكثر الرجال شهرة على الكوكب؟

سأقول لك، ولكن احبس "نفـَسك" قليلا..

حكى أبي، يرحمه الله، هذا الموقف: "كنا في عاصمةٍ أوروبيةٍ شرقية، ونريد سيارة أجرة، ولم تقف السياراتُ، بل تمر أمامنا كالطلقات الموجهة، وبعضها به ركابٌ محظوظون، وبعضها مثل قلبِ الخالي، بلا ركاب.. إلا أنّ السائقين لا يلتفتون. ومعنا صاحبٌ ماكِرٌ سريعُ الحيلة، فجأة تناول علبة سجائر مارلبورو من جيبه، ولوّح بها للسيارات القادمة.. ثم ضحك أبي وقال متابعاً: تصدق يا ولدي صادتْ حلاّلي"، وحلاّلي بلهجة أهل الخليج تعني أن تصيدَ صنارة سمكتين في وقتٍ واحدٍ، أو فخُ طيورٍ عصفورين في آن.. يبدو أن علبة المارلبورو أوقفت سيارتين.. إنه سحر المارلبورو.. سحرٌ يطوف الأرضَ من أقصاها إلى أقصاها ولا يقف عن الطوفان. إذن هاكم إجابة السؤال الأول: "مارلبورو" هي أكبر وأشهر علامة تجارية في الدنيا.

فقط أمس، دخلت مع رفقةٍ مطعما في الخبر، المدينة الأنيقة النظيفة، وإذا أكثر الطاولات يتصاعد منها الدخانُ الأبيضُ فيتغلغل في ثيابنا، ولكنكم تعرفون أنه أكثر فضولا من ذلك، فيتغلغلُ إلى آخر خليةٍ في رئاتنا.. ثم خرجنا للمتجر الكبير، ولاحظتُ أن كثيرا من المتسوقين لا يحسنون دفع عرباتِ التبضـّع، لأن أصابعَ أحد أياديهم مشغولة بتثبيت السيجارة. انصرفنا من المتجر، وإذا سربٌ من الشباب الصغار ينصرفون من مدرسةٍ متوسطةٍ وبعضُهم يتعاركون، أو يتراكضون، والسيجارة معلقة بين الشفاه الغضّةِ بأنـَفةٍ تأكلُ رحيقـَهم الحي.. قبل أن أتمايل برأسي احتجاجاً ضربَتْ زجاج سيارتنا جمرةٌ مشتعلة، ألقاها زميلُ طريقٍ يسبقنا بأقل من مترين.. الأجمل، أو الأدهي إن أحببت، أن شابا أقبل على نافذة السيارة يسألُ مالا، ثم عقـّب إن كان لدينا ولاعة ليشعل سيجارته.. وقلت لحالي: يا سلام: "ولع لي يا عم فيل..". والعم فيل، من هذه الناحية، هو أكرم من على الأرض في مسألة التوليع تلك.. من هو العم فيل؟ احبس "نفـَسَك" قليلا..

والقصةُ حقيقية، ولم أبالغ، وعندي شهودُ عيانٍ إن أردتَ أن تسعى في اتهامي بالمبالغة، بل إني حذفتُ مشهدَ الأطفال المختبئين بكرتونةٍ في أول حينا، وهم يمجون السجائر باحترافيةٍ وتسطيلٍ واضحَيْن. ولو سألتني ذاك اليوم، بـُغتـَةً، في أي البلادِ أنت؟ لأجبتك مذهولاً: واضح، نحن في ملبوروستان!

السجائرُ هي أكثر بضاعة استهلاكية توزع في كل شبر من أشبار الأرض.. ولا شبرَ في الأرض لم تصله السيجارة، وبالتالي هي ليست الأكثر انتشارا وتوزيعا اليوم، بل أكثر بضاعة دارت كل الأرض، وسارت بين كل الناس، في كل التاريخ البشري. وإني أعتقد أن علمَ الإدارة والتسويق وفنون الإعلان أغفلت واحدا من أعظم سادة هذه العلوم وملحقاتها من الفنون وهو العم فيل.. ونتحدى نيابة عن العم فيل الراحل - نعم مات وشبع موتا - أن يكون على الأرض أو فيها من جاوَرَه نجاحاً في التسويق.

ومن يظن أن ستالين هو أكبر سفاح في التاريخ (يقال أنه ذبحَ بمفردِهِ وأوامرِه الشخصية في فترة حكمهِ أكثر من 20 مليون روسي) فأقول لهم: ما أحلاكم، فالعم فيل هو القاتلُ الأكبر، ولو وجدتَ قاتلا واحدا مثل عظمة العم فيل في القتل، فلن تجد أبدا قاتلا استمر يقتل قبل ستالين بعشرات السنين، وما زال يفعل!

انظر، في الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة التي تقرأ فيها هذه الكلمات، تسبّب العمُّ فيل هذا العام في موت أكثر من نصف مليون أمريكي (هاه؟ ما رأيكم؟) والحبلُ على الجرار .. يعني لاحظ التفوقَ الباهر، أعدادُ ضحايا العم فيل زادت على أعدادِ ضحايا الإيدز، والانتحار، والحرائق، والتسمم الكحولي، والمخدرات.. مجتمعة!

لو وقف أعظمُ خطباء الإدارة والتسويق العالميين وأفرغوا علومهم وخبراتهم مرة واحدة، فلن يكونوا بقوة وتحدي نجاح العم فيل، فالعم فيل حين يبيع الآخرون الأشياء المفيدة أو المغذية أو الكاسية أو ذات الأثر المضاف على الحياة، فهو يبيع الموت البطيء .. مع ذلك يقف الناسُ طوابير يمجدون بضاعته حتى الموت .. بل عندي دراسة حاضرة، مثل شهودي الحاضرين، تفيدُ بأن أكثر تجارةٍ رابحة في الدنيا هي تجارة التبغ.. قولوا لي: ألا تعجبون بهذا القاتل؟ و.. ألا تشفقون بازدراءٍ على الملايين التي تسلم رقابها طواعية وحبا وانسحارا فوق مذبح العم فيل؟

شركة فيليب موريس من أكبر وأغنى وأكثر شركات الأرض ازدهارا على الكوكب، ويسميها موظفوها "العم فيل Uncle Phil".. وتملك أكثر من 60 في المائة من تجارة التبغ في العالم .. وتقف بلا منافس على رأس القتلة منذ قابيل وهابيل.

فيلبيب موريس البريطاني هو الذي أسس الشركة في القرن التاسع عشر، وهو أشهر رجل على الأرض!

أما أشهر غبي على الأرض فهو من يشتري سلاحه لينحر نفسه.. وهم لا يعدَّوْنَ ولا يحصَوْن!