تونس باهية برشة.. ولكن!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. ألف سنة قبل الميلاد، حتى اليوم:

تونس أرض تملأها الغابات، غابات كثيفة من أشجار الصنوبر والسنديان على كعب امتداد جبال أطلس في الشمال، ثم الامتداد الأخضر لأشجار للزيتون والفاكهة، وعند انعطاف الساحل الأوسط الجنوبي يبدأ خط الصحراء، بتهويماته وتشكيلاته التي تكاد تكون فريدة كتضاريس كوكب متروك في بعض أنحائها، وتلك القبائل الشديدة من البربر تتناثر قلة في الأصقاع. وصل إليها نخبة من شعب يعيش في البحار وبدأ إلهاماته الحضارية من البحار، وانتهت سطوعاته على كل الإنسانية وبالذات في حوض المتوسط في البحار.. الفينيقيون. لذا نقول تاريخيا إن تونس بدأ تاريخها المدوَّن مع وصول الفينيقيين، وكانت بداية ممتازة لأمة يجب أن تبقى ممتازة.

على أن تونس هذه الدولة التي لا تشغل إلا مساحة مقتطعة صغيرة من الشمال الإفريقي (156 ألف كم2) كانت معملا تاريخيا، وحضاريا، وأنثروبولوجيا، وثيولوجيّاً يأخذه مؤرخو المجتمعات كنموذج للتعدد، والانصهار، والاختلاف والتفكك والذوبان.. حتى تحللت كل العناصر لتذوب شخصية واحدة في جيناتها كل هذا التعدد في مجرى النهر التونسي الحاضر.. والأبدي.

مراجعة مبتسرة للشجرة التونسية التاريخية البشرية ستجد أن معظم الحضارات مرت بها وجلست، ولم تتركها إلا منزوعة نزعا، أو مدحورة مطرودة.. لذا فإن كل هذه الحضارات بأجناسها ومعتقداتها تداخلت مُددا في الطابع العام التونسي، فتجد آثار من بقوا زمانا في تونس ثم رحلوا، أو رُحـِّلوا رغما عنهم. آثار الفينيقيين، والرومان، والفاندال، والبيزنطيين.. ثم العرب. وهذه الحضارات والأجناس رغم أنها صارت تاريخا من الهندسة المميزة لمبان ومناشط تحت الشمس في يوم ما، إلا أن الدم والجينات بقيت جيلا وراء جيل، لذا فإن تونس فسيفساء من الناس أيضا، فتجد التقاسيم الأوروبية الآرية، وتجد الأنف اليوناني، وتلاحظ القامة الأوروبية الجنوبية، بل هناك غير قليل ممن تختلط أشكالهم مع القوقازيين ومميزات وجه وسط آسيا، مما يدلك على أن هؤلاء الناس من وسط آسيا وصلوا تونس كجنود أو معاونين أو عبيد مع سيول الحضارات التي غمرت تونس، ثم تجد الوجه العربي الخالص بجبهته العريضة وأنفه الدقيق وشفاهه الحية المائلة للامتلاء، ولن تغيب عنك التقاسيم البربرية بالجمجمة اللطيفة الصغيرة فوق هيكل دقيق ممتد ورشاقة مميزة.. على أن الشخصية التونسية حققت شيئا أكيدا في النهاية.. شخصية تونسية عربية إسلامية واحدة. ولكن تبقى معلقة الآن بين عالمين. عالمان؟ نعم.

لقد حاول الاستعمار الفرنسي فوق تغلغله في كل أوجه الحياة في تونس بدءا من اللغة. واللغة استهدفها الفرنسيون في كل مستعمراتهم كرأس الرمح أو نصل الخنجر المعوج، ينغرز بسهولة وانسياب في اللحم الحي ثم يلتوي داخله وتكون محاولة إخراجه شاقة ممضـّةً ومع كل حركة شهقة تكاد تخرج الروح.. وهذا ما نلاحظه ونسجله في الشخصية التونسية وفي العزم التونسي.

الشخصية التونسية أثرت عليها اللغة الفرنسية باكتساح، وتمكنت لدرجة أنها اختلطت مع اللغة اليومية حتى صار التونسي يرى أنها من صلب لهجته، بعضهم ينطق الكلمة ولا يدري أنها فرنسية محضة ـ بين العامة يشار لكل ما هو تونسي بصفة سوري، فيقول الفرد العادي إنه لا يحب التخاطب بالسوري أو لا تعجبه الطريقة السورية، وهنا المقصود اللغة والعادات الفرنسية، ولهذا أصل ليس مكانه الآن)، وأنصح أن تعتاد على أن تكتب شيئا بالعربية لتونسي خصوصا من أصحاب التعليم العالي، فيقول لك "نعرف عربي، ولكن نقرأ الفرانسي أحسن".. ثم تضع قلمك، وينطفئ شيء في قلبك. فمن يقول، أو تقول لك ذلك، هم من أحبابك وأشقائك وتحب أن تضعهم في قلبك كما يودون هم، ثم تقف اللغة تحاول أن تضع خطا ضد هذا الالتقاء. على أن هذه ليست كل الحقيقة، فتونس بلد عربي صميم (وأرسلت رسالة صريحة لكثير من أصدقائي قلت فيها بينما العربية صفة تثقل الناس في المشرق العربي، تعتبر في تونس موضع فخار) فإنك تجد تصميما نهائيا على أن العربية يجب أن تكون هي السائدة بأي شكل من الأشكال وبأي وسيلة ممكنة، حتى أنك ترى اللافتات واللوحات حتى في أكثر المناطق السياحية التي يحبها الأوروبيون مكتوبة بالعربية بالبنط الأعرض المستبد بأعلى مكان من لوحة الإرشاد، أو المحل وتحتها ترجمة بالفرنسية الخجول. بل إن لوحات السيارات التونسية (والسيارة تسمى في اللهجة التونسية "كرهبا") لا تكتب إلا بالعربية بكلمة "تونس" بالحرف العربي بدون كتابتها بالحرف اللاتيني (وبحكم أن الأرقام المستخدمة في الغرب هي أرقام عربية).. كنا وقت الحرب في لبنان، وكان هناك مشهد وحيد متشابه في كل مكان، في المقاهي، في صالات الفنادق، في الشوارع، وفي البيوت، أنظار شاخصة على قناة وحيدة وكأن كل لاقط الأمة التونسية موجها إليها، وهي قناة الجزيرة (اسمعوا يا العربية!) ويتسمرون على أخبار الحرب، وعندما يظهر نصر الله تزحف الكراسي بمن عليها متحلقين حول الشاشة وتتعالى صيحات الله وأكبر.. إنهم يرون أنها قضيتهم لأنهم عرب ولا يرون شيئا غير ذلك.. وأن اليهود أعداءهم ولا شيء غير ذلك. وإني من الواجب أن أحذرك بألا تنطق أسماء بوش أو كوندوليزا أو بلير لأي تونسي وخصوصا سائق التاكسي .. حتى لا تجعل كل عروق عنقه تنفر غضبا و.. غضبا.

أقول إن الشخصية التونسية معلقة بين عالمين، عالم فرانكفوني تحاول الخروج منه كما تـُخرج سهماً تعمق في اللحم، وعالم عربي إسلامي صريح يزيد برغبتها وتحمسها وحب انتمائها يوما بعد يوم وبمؤازرة رسمية واضحة بالمناهج التعليمية في المدارس، حتى أنك تسمع أصواتا فرانكفونية تحتج على هذا النهج.

لا ينتهي الحديث عن تونس.. بل لتونا بدأنا، لأني لم أحدثك عن النظافة اللافتة في كل حي وبيت وشارع، وعن التزام سيارات الأجرة بالعدادات، وعن هناءة الشخصية التونسية وأدبها الغامر، ولا عن أشجار الزيتون التي تملأ الأفق من الشمال حتى جنوبي سوسة.. ولا عن الولع ألطقوسي في التدخين، وهذا ما قصدت ضمن عنوان كلمة "ولكن" في عنوان المقال.

يعيّشكم!