سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. كما يبدو لنا الآن من الظاهر البسيط الذي نعلمه كجمهور أن بلادنا ما زالت بعيدة عن إنفلونزا الطيور، ولكن هل هذا يجعلنا نركن للراحة والاطمئنان؟ ولكن ليس الذي يصرح به خبراءُ منظمة الصحة العالمية مدعاة لأن يستقر المرء على كرسي وينظر فقط إلى ما يجري في المسرح العالمي.. فهم قد أطلقوا تحذيرا مرعبا أن المرض الذي قتل حتى الآن عددا لا يتجاوز الستين شخصا في شرق آسيا وبعض أوروبا الشرقية، مرشح أن يقتل الملايين فقط متى اجتاز عتبة الانتقال من الطير إلى الإنسان، لينتقل من الإنسان إلى الإنسان.. حينها ستكون كارثة عالمية بكل المواصفات وعلى كل المقاييس.. هذا ما تؤكده مخاوف الدول الغنية حيث إن مرض حمّى الطيور صار الشغل الشاغل في القاعات والمكاتب ومراكز الأبحاث والمكاتب الرسمية، وبدأوا من الآن بكامل طاقاتهم في إعداد الخطط والعمليات لمقاومة المرض والتعامل معه، ومع ذلك يخرج مسؤولون على العالم ويقولون مهما فعلنا، ومهما جمعنا من الذخائر المضادة للمرض، فإن الانتشار سيكون أضعاف المقاومة.. الولايات المتحدة تقول إنه ليس لديها أدوية أو أمصال تطعيم ضد المرض تكفي حاجة سكانها.. فكيف بدول العالم الفقيرة؟.. مشكلة عالمية، هذا ما تؤيده السيناريوهات التي نراها الآن!
أما ما يقوله الدكتور دافيد نابورو منسق الأمم المتحدة لإنفلونزا الطيور، فهو ما يصب زيتا حارا على نار مضطرمة الاشتعال فهو يصرح: "بأن مشاهد هذا المرض ستكون مثل خليط من الاحتماء البيئي الأرضي ومرض الإيدز معا مضروبا في عشرة أضعاف سرعتهما الحالية" شكرا يا دكتور لقد أخفتنا! ويضع جزاه الله خيرا ظرفا مطمئنا بأنه قد يحد من سرعة هذا الشر المستطير القدرة التطورية للصد من انتشاره.
ولكن هل هذا مرض جديد يجتاح الأرض؟ لا. فحين تعود لقراءة تاريخ الأمراض على الأرض ستجد أن مرضا عاتيا انتزع أرواح أكثر من ثمانية ملايين شخص في إسبانيا وحدها بين عامي 1918 و1919م، لذا سماه العالم الحمّى الإسبانية. أما على مستوى العالم في ذلك الحين فقد أسقط المرض الخطير الذي أرسل عدواه في كل مكان في مدة 18 شهراً أكثر من 40 مليون إنسان إلى مهاوي الموت. وتجد مَن يعتقد الآن أن هذا المرض هو مرض حمّى الطيور.
ولكن الحمّى لم تندثر ولكن كمنت لعقود، لتعود ولكن بأقل ضراوة في عامي 1957و1968 ولم تتسبب في خسائر بشرية كما فعلت العدوى السابقة. ولكن حمّى الطيور الحالية وتسمى بالإنجليزية Bird-flu أو Avian flu ويتعارف عليها العلماء المختصون بالرمز H5N1بدأت في الظهور في بدايات عام 2003م، وحتى اليوم فإن ضررها لا يُقاس بما هو متوقع في مخيلة الخبراء من كارثة إنسانية عظمى. حتى الآن فإن هذا المرض من حمّى الطيور لا ينتقل بين البشر، لذا فإن أخطاره محصورة على التلامس المباشر بين الطير المصاب وبين الإنسان، وهذا الذي يفسر انحصار المرض بين عاملي الدواجن.. ولكن هناك دلائل مهمة تدل على قدرة تحولية عند فيروس المرض ليضرب بين الناس حيث لا توجد المناعة الطبيعية، ولا الصناعية حتى الوقت الراهن.
ونسمع أخبارا متضاربة عن الأدوية والأمصال الخاصة بمقاومة المرض، ولكن ما نعرفه بشكل عام أنه حتى الآن ليست هناك تطعيمات أو أدوية جاهزة لمقاومة المرض في حال انطلاقه بين الناس، والذي يوجد الآن أمصال وأدوية ما زالت تحت التطوير. غير أن الناس من هلعهم في أوروبا انقضوا على الصيدليات ليشتروا دواء معروفا ضد الالتهابات الفيروسية والمعروف باسم "تامي فلو" تصنعه شركة روشيه السويسرية، مما حقق أرباحا قياسية للشركة في الربع لثالث لهذا العام. ولكن تمخضت الاجتماعات الأخيرة لوزراء خارجية أوروبا حول التصدي للمرض بين متشائم جدا من استحالة توفير الأمصال للملايين في حال وجودها، وبين مَن يضع رجاءه أن تبقى الحمّى حبيسة بين الطير والإنسان.. ولا تتعدى.
"مايكل أوستيرهولم" مدير مركز الأمراض المعدية في جامعة مينيسوتا يصور مشاهد ما بعد المرض مثل أفلام الخيال العلمي كفيلم حروب الأرض الذي أدى بطولته توم كروز فهو يصف الوضع حينها: "إن أحدا لا يعلم كم من الوقت بقي لنا. ولن يكون باستطاعتنا أن نعمل إلا القليل، وستكون هناك خسائر جماعية فوق التصور، سينتهي بنا المطاف بلا طعام ولا أدوية. وستكون هناك احتمالات الفزع والإخلال بالنظام، والفوضى العامة. سنستيقظ على عالم مختلف".
والآن.. لدينا الآن أكبر المزارع في الشرق الأوسط للدواجن فيها ملايين الطيور، وآلاف العاملين، وهم يشكلون الخط الأول المعرض - لا سمح الله - للمرض.. وسؤالي ماذا فعلنا للناس لكي نحذرهم من المرض والوقاية والتعامل معه؟ وإن لم يكن الوقت الآن ملحا لحملة توعية ودراسة واستعداد من وزارة الصحة والهيئات المعنية، فمتى يكون هذا الوقت إذن؟
أهم وأنجع ما بيدنا أن نعمله منذ اللحظة، أن نمنع المرضَ الطائر من الهبوط على أرضنا!