سنة النشر : 18/07/2009 الصحيفة : الاقتصادية
قبل أن أحكي لكم قصةَ لها أثرُ عاطفيٌ ووقعٌ عميقان في قلبي.. دعوني أعترف بأني لم أجد الوقتَ لاستكمال إجابة لسؤالٍ قريبٍ لأحد القراء، وهو: ( لماذا، ومنذ متى بدأ تاريخُ وصم السودِ بالدونية؟).. وقلتُ لقارئي الشغِف بالمعرفةِ إني أعدّ إجابةً علميةً مرجعيةً موثـَّقة، ولا أظن أني سأجد الوقتَ القريب لأوفيها حقها. على أن بحوثي الأولى تشير في البدءِ خصوصاُ لتلك الحكايا المنقولة من أسفارِ العهد القديم، وأساطير انتشرت عند بدء غزو الإنسان الأبيض لإفريقيا.. ولا شيء تاريخيا علميا أعتمدُ عليه حتى الساعة..
ووجدتها مناسبة كي أقول هنا إنه ليس كل البشر يصمون السودَ بالدونية، إنما بعضٌ من البشرِ البغيضين الذين أرادوا أن يستغلوا السودَ ويشيعوا تجارةَ الرِقِّ التي كانت تدرّ ذهباً، فاخترعوا الحيَلَ ليستعبدوهم. والحقيقةُ العليا أن الإسلامَ لم يفرق بين عبدٍ وآخر في الجنس أو اللون إلا بالتقوى، وهذا العدلُ في أقصاه. وإنصافاً، فإنك لن تجدَ مذهباً إنسانياً فكريا أو عقائدياً شريفاً يدعو لازدراءِ السود. وفي أجواءِ العدلِ والحرية يثبت السودُ أنهم متفوقون وجميلون.
والجمالُ الأسودُ له مذاقٌ خاصٌ، وطعم خاصٌ، وألـَقٌ خاص. ورأيتُ أن أهلَ إفريقيا الوسطى من ألمع الناس وأذكاهم، ولمّا وقعوا في شراك الرِقّ والدونية فهذا ليس قطعا لكونهم في درجةٍ إنسانية أقل كما قال به روّادُ الاستعمار مثل المبشر والأنثربيولوجي والجغرافي «نيفيون فرانسيس»، وغيره في بواكيرِ الكشوفات والاستعمار الأوربي، ولكن لسببٍ أنثروبولجي خاص سيأتي يوم سنناقشه هنا معا متى اكتملَتْ المراجعُ والدراسة..
وإفريقيا وأهلها يأخذون القلبَ، وقد ذهبت لمالي، وأريتريا، والسنِغال، وأثيوبيا، وجيبوتي، وكينيا، وتنزانيا، ويبقى في كلّ مرة جزءٌ من قلبي هناك. وكان يقول لنا المغامر والداعية والمطوّر العربي التقي الكويتي «عبد الرحمن السميط» حين زاملته لتنزانيا وزنجبار إن من يعرف إفريقيا يقع في هواها.. أي يقع بحبِّ أهلِها ويقع بحب طبيعتها.. ولم يخرب النفوسَ بين الشعوب الإفريقيةِ إلا لكونهم بعيدين عن الخُبْثِ في مؤامراتٍ الخُبْثِ التي حيكت ضدهم.
وفي إفريقيا صارت لي قصةٌ من قصص العمر.. من قصص الرقي والمحبة والوفاء الإنساني في أمجد معانيها. كنتُ في كينيا من أكثر من عقدٍ من الزمن، في فندقٍ كبير بنيروبي العاصمة، ووصلتُ ليلا. وفي الفجرِ وصلـَتْ الفندقَ رسالةٌ بالفاكس لي، وكلـّمني صوتٌ أجشٌّ بين ميوعةِ الصّبا ومشارفِ الرجولة، يستأذنني في إحضار الرسالة. فتحتُ البابَ بعد قرْع خفيفٍ، ووجدت صبياً في الرابعة عشر من عمره، ببشرةٍ أبنوسيةٍ صافيةٍ ونقيةٍ، وعينين واسعتين تدور بهما حدقتان كبيرتان غارقتان في السوادِ، وابتسم ابتسامة نوَّرها طقمٌ نضيدٌ من أسنان بيضاء منمَّقة الترتيب، ويعتمرُ طربوشا أحمر، وزياً أبيضَ، فكان مشهداً وسيماً فيه لطافة الأناقة، ورونق الإهاب.
سألته عن اسمه فقال: «أبيدو حسن». وشرح لي أنه ترك المدرسة ليعمل في الفندق، ولما أظهرتُ على وجهي علائم التحسُّر، ضحك من قلبِهِ وقال: «لا، فأنا موضعُ حسَدٍ وإكبارٍ عند جماعتي، لأني أعمل في هذا الفندق، واليوم سيذهب أهلي ليخطبوا لي فتاة رئيس القرية»... وعزمَني لحضور المناسبة في قريته، فقبـِلتُ بلا تردد.
في مقهىً أمام الفندق، جاءني «أبيدو» مساءً حسبَ الموعدِ المضروب بثوبه الكتـّان الأبيض وطاقيةٍ عمانيةٍ مزخرفة بالخيوط الفضية .. وأخذني للقريةِ على دراجةٍ ناريةٍ حول مشارفِ غابةٍ تبعد كيلومترات عن المدينة، وزيارتي هذه قصةٌ أخرى سيأتي يومٌ أرويها لكم، خصوصاً ما دار بيني وبين الحاج «محمد صولو» مثقف القرية ومعلـّمها حول العبوديةِ والرِقِّ وعن تجانسهم مع العُمانيين وحماستهم في الدفاع ضد الإنجليز، ومازالت كلماتُه، بإنجليزيةٍ فصيحةٍ ولكْنـَةٍ أفريقيةٍ ثقيلةٍ، ترنّ في ذاكرتي..
*بعد ثماني سنوات من الزمن:
وصلتني رسالةٌ على البريد الإلكتروني بعنوان «الجمالُ الأسود».. من «أبيدو» يقول فيها إنه تزوج «فاطمة رضاية الله»، وهو اسمُها الأول فقط.. ومرفق صور زواجهما وهي بالحجابِ الأبيض وجلباب الزفاف الواسع، وهو يطل بقامتِه المديدة بثوبٍ أبيض وطاقيةٍ عمانيةٍ بيضاء، وتلمع تلك الابتسامةُ التي كأنها قلبُ إفريقيا..
فأرسلتُ له: أين سيكونُ شهر العسل؟
أرسل لي: «لا مكان أجمل من مكة والمدينة.. هل ستُظهر لنا تأشيرتـَي عمرة؟
- حاضر!
* الآن:
رسالةٌ من فاطمة رضاية الله: «لعلك تعلم أن «أبيدو» أكمل دراسته بالمراسلة، واستحصل على البكالوريوس بتفوقٍ في الأدبِ الإنجليزي الحديث، وحيث إنك صديقنا، وكنت من المشجعين له للدراسةِ، فإنا سنقيم له حفلاً بالقرية، وأعدَدنا له مفاجأة.. فهل تستطيع أن تأتي إلى نيروبي؟ لأن المفاجأةَ: أنت!