سنة النشر : 07/09/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. لما وقفتُ على جبلٍ عالٍ في جزيرةٍ استوائيةٍ نظرتُ إلى تحت، ورأيتُ مناراتِ المساجدِ الرشيقةِ تطل من وراءِ السحب، وتتسلل للسماءِ من بين نخيل جوزِ الهند والأشجارِ المغسولةِ الخضرة، كثيفة الالتصاق، تشق هذه الأجمَاتِ ممتدّةً كخطوطٍ باسقةٍ من نور. ثم ارتمَتْ عيناي على الأقيانوس الواسعِ بلا نهايةٍ، إلا ما يلفُّ الغموضَ بالضبابِ وغياهبِ المجهول، ورصدتُ عن بعدٍ أمواجاً ماموثيةً غضبى تحمل سطحَ البحرِ كسجادةٍ عملاقةٍ ثم تنفضها في خواصر الأفق.. وتتعجب.
تتعجبُ، كيف من مئاتِ السنين وصلوا إلى هنا؟!
كيف وصل تجارُ المسلمين بسفنهم الخشبيةِ إلى هذه البقاع البحريةِ؟ منطقة شاسعة من المحيط البعيد ذي الأنواءِ والزوابع والرعودِ وبأعماقٍ بلا قرار، منطقةٌ تتناثر بها عشراتُ الآلاف من الجزر، كجزُرِ الملايو، وسومطرة، وأرخبيل الفلبين بجزره التي تتعدى الثمانية آلاف جزيرة أكبرها لوزون في الشمال وميندناو في الجنوب. يومها كانت هذه المنطقةُ أبعد من الخيال، وأعمق من الأساطير، ويُرْوَى حولها عن الوحوش وغيلان البحار.. يومها، لم تكن تجوبُ تلك الزرقة المعتمة الغارقة باللانهاية إلا الأشرعةُ المثلثة من الكتان الحريري وخشب الصندل.. سفينُ أهل الصين... كانوا السادةَ في البحرِ والبرِّ والجزر.
كيف جرأ هؤلاء المسلمون البسيطون على خوض أكبر تجربةٍ إنسانيةٍ كبرى قبل عصور الاكتشاف الأوروبي؟ إنهم أعجوبةُ الزمان بالفعل، وسيبقون على رأس الأعاجيب ما بقي الزمان.
كان التجارُ من جنوب الجزيرة العربية، وخاصةٍ الحضارمة، أقدم من وطئ هذه المناطق، وكان قدومهم للتجارة، ثم إن بعضهم استوطنوا وبقوا، من تلك الأيام إلى يومنا هذا.. ففي سريلانكا، سألتني فتاةٌ تعمل في مكتب سفر في الفندق إن كنتُ حضرمياً، ودار الحديثُ فإذا هي تعرّفني على أسرتها، ثم والدها، فإذا هو رئيسُ البرلمان، ومنه، أول مرّةٍ، تعرفتُ على الرجل الذي لو سألتوني من هم الشخصيات التي تود أن تلقاهم لو كانت عندك آلة الزمن؟ لقلت منهم «التاجر سليمان»، واحدٌ من أعظم القدراتِ البشرية التجارية البحرية، وأكثرها خفاءً. ساهم «التاجرُ سليمان» في وضع البصمةِ النهائية الإسلامية على صفحات المحيط الهادي. لا تاريخ أكيد لبزوغ «التاجر سليمان» الذي وضع عوّاماتِ الإسلام حول أكبر حزامٍ من الجزر في الدنيا.
عدتُ أقرأ كيف وصلَ البحارةُ المسلمون للجزر القصيّة، سأقول لك أول شيئ إنها القوة الإيمانية بأن اللهَ وضع لهم رزقاً وراء البحار، فسعوا لذاك الزرق، وهذا كان حلم سليمان التاجر.. من طفولته كان يرى أنه يركبُ طوفاً بحرياً فيأكل كما لم يأكل قط، فهو في قريته الجافة فيما نعرفه الآن بمنطقة «شبام» الحضرمية لم يكن الأكلُ ولا الشربُ يسيرا.. وتعجبتُ أن يكون التجارُ الحضارمة عالمين بأنواءِ البحار، وفنون الإبحار، ويُقال إن العُمانيين أصحاب المهاراتِ البحرية تضافروا معهم في ملاحمهم الكبرى للوصول للمظانِّ البعيدة..
الحضارمة يعرفون كيف يحفظون الأسرارَ، بل إنها من صفاتِ جيناتهم، فقد اكتشفوا سرّ الرياح الموسمية ولم يبوحوا بها لأحد، إلا لمّا احتاجوا إلى السنـَد الهندي، فتعلم منهم الهنودُ سر استغلال الرياح الموسمية للإبحار مرتين في العام، على أن هذه المعرفة كانت مغرقةً في الزمان قبل الميلاد، هل تصدقون؟ - وبقيت سراً حتى تمكن ملاّحٌ إغريقيٌ في القرن الأول للميلاد من كشف اتجاه هذه الرياح- لقد عرف التجارُ الحضارمة الأيام التي تهب فيها الرياحُ وحدّدوا الأوقاتِ الملائمةَ لسير السفن في المحيطِ الهندي، انطلاقاً من سواحلِ حضرموت وعمان.
إن ذكر «التاجر سليمان» عثرتُ عليه فيما بعد في كتبٍ ومخطوطاتٍ في مكتبةِ البرلمان السريلانكي وبعض المكتبات الشخصية لحضارمةِ سيلان، وبمصنفاتٍ عربية من كتب الرحالة والجغرافيين، بل إن أهم المصادر العربية التي سجلت حالة المحيط الهندي هو الكتاب الذي وضعه «التاجرُ سليمان» ذاته في عام 851 ميلادي، العام الذي حققته الجمعية الجغرافية البريطانية. على أن ملاحظات «التاجر سليمان» وانطباعاته الإنسانية الحضارية والجغرافية البحرية امتدّتْ من «سيراف» إلى «كانتون» الصينية، تصوروا أين وصل هذا السليمان! والجميلُ أنه رصدَ حتى أنواع السلع وأسعارها وطرقُ المفاصلةِ بالأسعار في كل ساحلٍ وكل بلاد!
على أن سليمان لا يترك مكاناً إلا ويترك فيه محلاًّ له وحضرمياً من خاصّتِهِ، ويقيم مسجداً ومدرسة، ولكم أن تتصوروا أن كلّ حضرميٍّ تركه سليمان خلـّف شعباً كاملاً الآن.
سُقياً لترابٍ قبرِكَ يا تاجر سليمان، ونكتب هذا عنك في رمضان ليس فقط للعِبَر والاستذكار، ولكن لنسألَ أنفسَنا، كيف أننا نطيرُ مرتاحين لكل مكانٍ في العالم في ساعاتٍ، وأنت تشقـِّقُ الأملاحُ لحمَ جسدِكَ حتى العظم من ملوحة المحيط، وجلداتِ أمواجه شهوراً طوالا.. ونشرتَ الدينَ والحضارة.
نحن المرتاحون كسياحٍ وزوّارٍ وطلابٍ وتُجارٍ ودبلوماسيين ندورُ الكرةَ الأرضية، ماذا عَمِلنا؟!