سنة النشر : 27/11/2010 الصحيفة : الاقتصادية
.. من ولعي بالعقول الكبرى التي تكون في قالب الضمير الإنساني النبيل، صرتُ أتعقب الأشخاصَ المنجزين، وأبحث وألاحظ ما يفعلون وكيف يتصرفون وكيف يبدعون، وأحاول قدر الإمكان التعرف عليهم لأكتب عنهم، وحين أكتب عن هذه الفئة من الناس أكون في أجمل حالاتي النفسية، وفي أزهى مقاماتي العقلية.. لذا كان لي بابٌ شهري في جريدة ''اليوم'' عن شخصية الشهر، وأحرص في ''مقتطفات الجمعة'' الأسبوعية في ''الاقتصادية'' على اختيار شخصية الأسبوع، وهذه الفقرة من عدة مقتطفات كل أسبوع هي التي تشغل أكثر من 80 في المائة من وقت تحضير المقتطفات التي تجمهر حولها قراءٌ متابعون داخل وخارج البلاد.. النتيجة التي خرجت بها أن تلك العقليات المتجلية فوق العادة منحتني الفرصة تلو الفرصة لأعلم أكثر عن عوالم الإبداع، والذكاء، والقيادة، وبعض عناصر هذه الطبخة الغامضة: العبقرية!
وفي ''أرامكو'' فقط الأربعاء الماضي عاد لي إحساسٌ، كما حدث معي وأنا طالب في المتوسطة يوم أعطاني الأستاذ ''جونز'' البريطاني كتابين غيّرا في طرائق تفكيري: كتاب لِـ ''جول فيرن'' متنبئ المستقبل الفرنسي، وآخر للإنجليزي ''هـ. ج. ولز'' متنبئ المستقبل الإنجليزي، وقال لي جونز جملة ما زالت مربوطة بأصل خواطري الذهنية: ''اقرأهما لترى المستقبلَ في الماضي''.. وقد صدق. ودخلتُ مخيـِّلتـَيْهما العبقريتين بدهشة ''أليس في بلاد العجائب''، شعور غامر من التدفق الإدرياليني يرفعني، ويربكني، ويفرحني.. عالمٌ من الصعب أن تتخلص منه بعد أن تضع الكتابين.. في ''أرامكو'' استعدتُ غمرة ذاك الشعور البعيد.
تحتفل ''أرامكو'' بواحدٍ من أرقى وأنصع احتفالاتها، تحتفل بأنها نالت حتى الآن أكثر من 100 براءة اختراع في كل مجالاتها العاملة، وبعض هذه الاختراعات تُسوَّق عالميا وتجاريا، وهي اختراعاتٌ توفر على هذه الشركة ملايين الدولارات في كل عام.. والربح من توفير التكاليف ورفع الجودة هو أفضل أنواع الأرباح قاطبة.
كان صديقي الدكتور ''محمد الأنصاري'' وهو من عقول ''أرامكو'' الثاقبة، منقـِّبا محترفا ومنقطعا، ليس من منقبي النفط في الشركة، ولكنه من منقبي مناجم هذه الروعة الإلهية الأولى: العقلُ البشري. والدكتور الأنصاري واحدٌ من العقول الاستثنائية التي تابعتها، وبُهِرتُ بها، وكتبت عنه كشخصيةٍ من شخصياتي الشهرية.. وجدت أن العباقرة فيهم صوفية أصحاب الزوايا: التواضع والانقطاع والترحال، فهم متواضعون حتى الأرض كروّاد الزوايا، ومنقطعون فيما يعملون انقطاعا يكاد يلهيهم عن بقية أعمال اليوم العادية، ومترحلون في طلب العلوم والمعرفة والجديد على الدوام.. ولهم صفة الأقطاب حيث يتبع من ورائهم تلامذةٌ متحمسون من المريدين.
الدكتور الأنصاري دعاني لأشاهد قبل الافتتاح معرضاً سماه جوهرة أرامكو، ولم يخطئ، معرض تدخله ليس بالكبير، وليس بالفاره، وليس فيه فخامة العرض والعارضين.. بسيطٌ جداً، أنيقٌ جدا، ومستقبليٌ جدا.. وكأنك في قمرة مركبة فضاء مستقبلية بين المجرات.. أو هذا ما رسمه خيالي الذي عاد طفلا مذعورا من السعادة والذوبان يوم كان يلتهم صفحات ''فيرن'' و''ويلز'' ..
استقطع المعرضُ قشطا من زبدة ''أرامكو'' تاريخيا، من الأربعينيات حتى يومنا هذا، ولكل فترة أفكار وتطوير وإبداع، وفي فترات مبكرة جدا حصلت ''أرامكو'' على شهادات قليلة لبراءات اختراع من وكالة البراءات الأمريكية، ثم صارت مع كل مرحلة تتضاعف هندسيا هذه الشهادات، فبعد أن طاف بنا الدكتور الأنصاري مع مريديه المعرض بكل أجزائه يشرح ويغيب غياباً شوقياً من فرط الحماسة وجلال الإنجاز، ويمسح عرقـَه المتصبب في بهوٍ كالثلاجة، لتعرف حالا أن طاقة العقل تفرز حرارة لا يعرفها إلا من يذوق دفأها لا نارها.. حتى وصلنا إلى جناحٍ يشبه زهرة لوتسٍ إمبراطورية وتحتها صُفت كعباد الشمس سبائك تعدت الـ 100 وكأنها الذهب الممهورُ بلمعان أشعة شمس العبقرية، إنه الجناح الجوهرة.. أكثر من 100 شهادة براءة اختراع تملكها شركة أرامكو باسم مخترعيها، وأكثر من 70 في المائة منهم سعوديون.. ألا ترى أنه حلم يتحقق؟
وأذهلتني جملة في لوحة، قلت لمريدي الأنصاري من الشباب العارضين أن يرصعوها بالألماس أمام الزائرين، تقول إن شركة أرامكو وقعت مع شركة تقنية أمريكية (لاحظ تقنية!) لتسويق أحد مخترعاتها.. يا إلهي انقلبت الآية، وتعدينا هنا تخومَ الحلم. نحن الموصومين بالاستهلاك الخائب، نأخذ أقصى طرف التقدم فجأة ونتعاقد مع مسوقين أمريكان ومتخصصين ليسوقوا إنتاجنا العقلي.. من يصدق؟!
اذهب، رجاء، للمعرض الواقع في الظهران بجوار معرض الزيت الشهير، وسترى أنه وكأن مجموعة السيد ''رِبلي Ripley'' (صدِّقْ أو لا تصدِّقْBelieve It or Not! ) مفتوحة صفحاتها طازجة أمامك في ذاك المعرض..
ونفخر أن السيد الأنصاري من عقولنا في جمعية العمل التطوعي، وفي كتاب العباقرة لـ "هوارد جاردنر" يقول: "كل العقول المبتكرة مولعة بالتطوع"، وشبابنا المتطوعون دعتهم "أرامكو" ليساعدوا في إدارة وعمل المعرض.
وهي دعوة لشباب الفكر والطموح: ستفرح باستقبالكم "أرامكو"، والسيد الأنصاري شخصيا.. هيا!