الحوار الوطني.. صالونًا!
سنة النشر : 01/05/2009
الصحيفة : الاقتصادية
لم أحضر فعاليات الحوار الوطني التي دارت قبل ذلك، وكنت وما زلت آسفا.
وحضرت الفعالياتَ الأخيرة التي قامت في مكة المكرمة عن الصوالين ودورها في نشر ثقافة الحوار، وفرحت ولكني أسفت مرة أخرى لمعرفتي عن حقٍّ وواقعٍ مدى ما فاتني، ولكنه طريقٌ انفتح أمامي سأمضي فيه ما استطعت.
وكان الترتيبُ مثاليا ومنسابا منذ لحظة الدعوة إلى داخل الاجتماعات. فبينما الجمع غارق في مداولاته ومحاوراته ومداخلاته يجري التنظيمُ خفيا متسلسلا متواصلا، فكل شيء أمامك، وكل شيء يصلك، ولو حركت أهدابَ عينيك وجدت شابا مهندما أمامك وكأن الأرض انشقت عنه.. ولا ترى أثرا، وكأنك تبحر في بحر هادئ وتحت الموج تعتمل الحياة.
الذي تخرج به أولا، وقد لا تنتبه له، هو كفاءة التنظيم. أما لم قد لا تنتبه إليه؟ لأن من طبيعتنا عند سريان الأمور كما نأمل نعتبرها من واقع الأشياء وطبائعها، وعندما يحدث خللٌ ما، أو فرقعة، أو عطل، لصرخنا بصوت واحد: يا إخوان أين التنظيم؟! برأيي، أن التنظيمَ في أقصى كفاءته يكون كالهواء لا تستغني عنه، وأنت لا تراه. ولعلك قرأت مقالي السبت المنصرم- الذي قبل هذا - الذي كتبت فيه عن اجتماع عقليات اقتصادية وطنية في مبنى إدارة البنك الأهلي في جدة، وكانت ملاحظتي تعجبا وتفاؤلا، حيث طرح المجتمعون أفكارا مذهلة وذكية وعملية لحل المسائل الاقتصادية والمالية ولم يقفوا كثيرا عند المشكلة أو عُقـَد حلها، إنما انطلقت مخيلاتهم وعقولهم في طرح الحلول، والأهم آليات التطبيق.
وتقول لنفسك: صحيح أننا نعاني ونواجه مشاكل كبيرة وصحيح أن هناك أخطاء ولكنك تخرج نفسا عميقا يحمل معه الاطمئنان والتفاؤل بأن في البلاد ذخيرة ممتازة من العقول، وبلادٌ تفرز هذه العقول لابد أن تسير إلى الأمام مهما تكاثرت العقبات.
وإني أيضا وجدت أن ملاحظتي قائمة وموجات دهشتي وتفاؤلي تعلو موجة وراء موجة نحو ساحل التفاؤل فيما رأيت وسمعت من آراء في حوار مكة خرجت من عقول خبيرة ومنظمة وعاقلة ومتطورة المعرفة في شأننا الاجتماعي – الذي يجب أن أعترف أنه تعقد كثيرا ويزداد هذا التعقد يوما وراء يوم- ولكني أؤمن أنها مشيئة عليا أن توضع المشاكل أمام البشر، لأنها تـُنضج العقولُ وتولد الحكمة مع طول التعامل والمواجهة والمعاناة، وبدأت لي هذه الرؤيا سافرة وأنا أتطلع للمجتمعين واحدا واحدا، وأسمع آراء المجتمعات والمجتمعين رأيا بعد الآخر وكل يفوق الثاني، وكأنها مسابقة مع أنفسهم. أما الفوز فهو جماعي، أكيد.
وأقول من موقع الشاهد الحاضر أن الذي طرح من آراء يصل لمستويات سطور تخط في دواوين الأنظمة، وبعضها به حكمة عدلية وإنسانية كدت أقف احتراما لها لولا ملامة العقلاء المجتمعين. سمى المجتمعون الرجل الاجتماعي المهم "عبد المقصود خوجة" بعميد أصحاب الصوالين والمنتديات، وكان قد استهل الورقة الأولى في الندوة عن أصالة التجربة الحوارية في الصالونات الثقافية، وكان استعراضا تاريخيا قريبا عادلا ما أمكن، لضيق مساحة الوقت المتاح عن النهوض الثقافي الوئيد في مختلف مناطق البلاد ومعظمه في منطقة الحجاز، وشعرت بحسرة ليست صغيرة بأن الرجل كان بوسعه أن ينطلق – وكان بودنا- فهو عريق في المجال، ويملك إلقاء فخما، ولكنه لم يخفِ انزعاجه من قلة الوقت ومسألة الالتزام بالتقديم القبلي للأوراق.. كما أن خوجة، وهو الرجل الكبير، كان بودي لو أنه لم يطل في تبرير مسألة نقد صالونه بأنه احتفالي أو أرستقراطي، لأن هذا عمّق النقد، وكان له أن يتجاوزه فيتبخر في وقته، وهنا خطأ – وأرجو أن يسامحني أستاذنا- يقع فيه الكبار فهم ينسون في لحظة حساسة – ولا لوم عليهم لأنهم يتألمون عندما يأتي أحد ويخدش عملا كبيرا أضنوا به عقولهم وعمرهم وجهدهم ومالهم- ينسون أنهم وهم يرددون ما انتـُقدوا به إنما يعطونه الدفعة الأقوى للانتشار لمجرد أنهم قالوا والناس يستمعون إليهم ولا ينسون.
أما الشاب الأستاذ سهم الدعجاني فترقبوا هذا الشاب معلنا عن ريادة تخصصية ستنتشر بإذن الله في أعمال التوثيق والمتابعة والإدارة والقياس والتقويم لأداء المنتديات الأهلية، وأني أمرر بثقة أن هذا قد يكون قسما مستقلا تابعا لفروع علم الاجتماع، وكانت ورقة الدعجاني دقيقة ومقننة وتوثيقية، ولكن وقع مأزق كما يقع كل مجتهد يصب عرقه على الورق، حين اتهمته الفاضلات من النساء من صاحبات المنتديات بأنه أغفلهن ونال جزاءه كاملا، ثم رد باعتذار وتبرير مليء بالفصاحة والتهذيب والتهرب، ولكن الوقتي. لم أحضر كل الجلسات فاضطررت إلى المغادرة لبرنامج تلفزيوني مجدول ولضرورة أسرية، ولما قدمت ورقة انصراف كتبتها للدكتور فيصل بن معمر، مايسترو الحوار الوطني، رمقني بنظرة تزلزل تلميذا ضبطه مدير المدرسة وهو يتسلل هاربا، ولكني ارتعدت، وهربت.
وآخر ما حضرت كانت للرجل الرصين وصاحب الخبرة في التعليم الجامعي الدكتور إبراهيم القعيد، وكانت ورقة ثاقبة ومركزة ولكنه عاب على بعض أصحاب المنتديات طلب الوجاهة والإسراف المالي والدور الحسير في تفعيل العمل الفكري، وكان لابد أن ينبري كما توقعت، الرجل الواسع الرؤية محمد بن عبد الله الشويح، سأعود في نهاية المقال لكي أقول لك لماذا؟ وأعجبتني مداخلة الأخ محمد عبد الكريم السيف ردا على مطالبة الأستاذ عبد المقصود خوجة في الاعتراف الرسمي بالصالونات والمنتديات، حين قال: إنها ليست بحاجة للاعتراف لأنها وليدة المجتمع، وكأنه يقول أن لا اعتراف أكثر ولادة واقعية وطبيعية من ظهر المجتمع، صدقت يا أخي.
والمعماري العريق الدكتور سامي العنقاوي أدخل مصطلحا جميلا بجدليته العقلية حين أخبرنا أنه في "مكيته" يعتمد أولا وأخيرا على الحوار، أما الضيف الرئيس فهو يطلق عليه مسمى "المحاور الرئيس" لمعة من لمعات عقلٍ لامع.
أعود للأخ محمد الشويح، فهو يصر ردا على الدكتور الرصين القعيد بأن نقبل الصوالين كلها وبأنواعها ونوعية ضيوفها وطقوسها ومحاورها، ولا نفرض وصاية عليها، لأنه قال حكمة أرجو أن يكون قد انتبه لها المجتمعون "إن كنا سنفرض نوعا وتأطيرا وقالبا واحدا للصوالين.. فلم نحن هنا إذن"؟!
يا محمد كان يجب أن أقف لك تحية لولا صرامة مديرنا!