البنك الأهلي: كلنا واحد!
سنة النشر : 01/05/2009
الصحيفة : الاقتصادية
كنت أتساءل وأنا في الطائرة طيلة الوقت: ما السبب وراء دعوة البنك الأهلي؟ ولماذا تعمد البنوك إلى تنظيم اجتماع مع بعض مختار من عقليات وخبرات في المجتمع؟ فهي أطيب حال، وتنتقل من نسبة ربحية فخمة إلى نسب ربحية أفخم، وهي في جو يحلم به أعتى البنوك في العالم، وقد قال لي مصرفي عتيق إن السعودية جنة أحلام أي بنك في الدنيا.. يعني ماذا يريد بنكٌ من وراء هذا الاحتماع؟ وبالذات البنك الأهلي، فهو بنك ناجح بكل المقاييس، ورائد باعتراف الجميع، ولا يحتاج إلى تلميع إعلامي وهو يقود واحدة من أكبر الحملات الدعائية المصرفية تحت شعار: كلنا واحد.
استندت إلى نافذة الطائرة لا أرى إلا الليل المُصمَت، ستارة ثقيلة تصد النظر، وهكذا كانت محاولة إجابة السؤال كحاجزٍ لا ينفذ من خلاله استقراء الجواب.. ولكني قلت إن الموضوع لن يبعد عن أمور المال والاقتصاد في أي حال، وهذا أيضا أوقعني في دوامة أخرى، فأنا لست محللا ماليا، ولا أعتبر نفسي حتى كاتبا اقتصاديا. أنا مجرد كاتب كشكولي يغرف قطرة من كل نهر.. فلا أزيد شيئا، ولا ينقص النهر شيئا. وقررت أن أنام.
في المبنى الإداري الجميل الطراز، الذي صار معلما شهيرا من معالم مدينة جدة – التي كانت عروس المدن، ثم صارت تنوء تحت ثقل السنين وثقل سوء المعاملة والإهمال، وهذا موضوع لا ينتهي- التقاني كبار موظفي البنك وكنت أول الحاضرين فاستمتعت بنقاش مع رجالات البنك قبل وصول الضيوف الآخرين، ولفتني أنهم وهذه شهادة، يختلفون عن التصور النمطي لموظفي البنوك بحسهم الإنساني، وبهمهم المعرفي الذي يتعدى نطاق المهنة المالية، مع كمية فخمة من الأناقة اللافتة، والسمت الجميل.. حتى حضر الزملاء.
ولقد حرجت قليلا – أو كثيرا- أن أكون ضمن بوتقة من أكبر عقول الاقتصاد والاجتماع والمال والثقافة في البلاد، وكدت أغوص في مكاني لولا أنك ستتعلم الدرس الأول من الكبار، وهو أنهم بتواضعهم يرفعونك إلى أكتافهم .. وقد كان.
كان النقاش والحوار مثاليين جدا، ولم أحضر شبيها للصراحة في التنظيم والطرح والتناوب والهدوء في إضاءة الرأي، كما شهدت على طاولة غداء البنك الأهلي، لولا خروج بركاني من العبقري المحلـَّل الأريب الدكتور "عمر باقعر" وهو يأتيك بالدرر من التحليلات والآراء بصراحة تقلعك من كرسيك.
وخروجه، كما نظن، ليس لعدم انتظامه في النسق المرتب للنقاش، ولكن لأنه رغما عنه زُوِّدَ بخاصتين: ذكاءٌ متقدٌ وفائرٌ لا يهدأ، وحنجرة تصلح للإذاعات العربية أيام المدّ القومي، مع جاذبيةٍ وفخامةٍ ومشهديةٍ في الإلقاء.. وكان يتعمد صبّ كل مشاكل المجتمع على رأسي أنا، لأنه – وبوضوح- لا يجرؤ على أحد إلا أنا بتراجعي المشهور، وخجلي الأسطوري.
ولقد عجبت من ثبات السيد عبد الكريم أبو النصر وهو الرجل الأول التنفيذي في البنك ومن أدبه، ولياقته الحوارية الفكرية، وهو يتعرض لآراء حادة النصال، وإن كانت مغلفة بالسلوفان الرقيق.. فلقد كان انتقاد آليات البنوك صريحا وقويا ومتدافعا - وأنا لن أذكر الآراء بذاتها فالجميع أبدوا آراءً، وكلما تكلم زميلٌ كنت أهز رأسي وأقول لم أسمع أجمل من هذا الرأي وطريقة جذب الانتباه، وأفاجأ أن الآخر مثله، والآخر كذلك، حتى أن رأسي لم يقف عن الاهتزاز.
أعجبني جدا أن الجميع كان ينقل همَّا عاما، وأعجبتني الصراحة المكشوفة من أي توارٍ وادعاء، والمغلفة بالأدب الكبير من الجميع، وأعجبني أن أحدا لم يلق اللوم، ولا حتى على البنوك أو هيئة المال – خصوصا وأن النقاش في معظمه دار حول سوق الأسهم- ولكنهم كانوا يوضحون الأخطاء ولا يتهمون، ثم إنهم وكأن الجميع تعاهد على ذلك لم يبقوا كثيرا عند المعضلة ولكن أسهبوا في اقتراح الحلول، وإني أرى أن مفكري الأمة لما يتطلعون وراء العُقــَد الكبيرة، ولا يقفون عندها، يكون الطريق مفتوحا لدفع المجتمع كاملا للتقدم إلى الأفضل، فنتعلم قلع الأشواك من أجسادنا بدلا أن نتقلب عليها فنزداد ألما، وتزداد ولوغا في أجسادنا.
الذي يعجبك أنك ستخرج فخورا أن في بلدك هذه العقول التي تكاد تتساوى في ذرى الذكاء والعملية والحيادية والاطلاع والمعرفة والاستدلال وتحري الحلول .. فنتساءل ما الذي ينقصنا إذن؟ .. لا ينقصنا إلا الاستفادة منها!
الاستفادة منها!.. وهنا ضربت يدي على جبهتي، وقلت لي: عرفت الجواب الذي أرقني في الطائرة؟ نعم عرفت لماذا دعانا البنك الأهلي.. دعانا للاستفادة، وقالها وكررها السيد أبو النصر. وأثبت رجال البنك الأهلي أنهم لم يهدفوا إذن إلى الاستفادة المباشرة للبنك لأني أرجعك لتساؤلاتي في مقدمة المقال وهي أن البنك لا يكاد يحتاج شيئا.. إذن، هي دعوة للاستفادة والإفادة للمجتمع بواقعه العريض واستفادة البنك تقع عليه كعضو في هذا المجتمع.
وهنا المقصود، فمسائلُ المجتمع ومشكلاته والمخاطر التي تـُحدِق به، والانتفاعات التي تنتظره، لا تفرق منطقة عن منطقة، ولا عن فئة دون أخرى، إنها تهب كالريح فتطول الجميع.. يعني أننا أمام مشاكل المجتمع الكبرى.. كلنا واحد!
وحتى لا يحسدنا أحد، فقد خرجنا من البنك دون هدايا، وأكثر من تضرر من هذا أستاذنا خالد المعينا وأنا.. ولم نر أمام احتجاجنا من رجال الأهلي إلا البسمات.. وكانت الهدية الواضحة إثباتهم لشعارهم أننا.. كلنا واحد!