رسالة مغلقة إلى مؤسسة النقد، والبنوك..

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
"أنا على ما لم أقله أقدر مني على رد ما قلت"- بيدبا الحكيم على لسان ملك الصين.
 
.. أكتب بمناسبة التباري بين مقالتي الدكتور عبد الرحمن الزامل، الأستاذ خالد بوعلي الذي ينتقد الزامل في هجومه على مؤسسة النقد والبنوك مبررا أن الذين اقترضوا من البنوك ليسوا مساكين، بل هم واعون لشروط الاتفاق وبالتالي فهم مسؤولون بقواهم الراشدة، وأن البنوك لها منطق مادي معروف، بل يرى السيد بوعلي أنها ـ بهذا- تحافظ على أموال الناس (المساكين).. ويرى الدكتورُ الزامل أن البنوكَ استغلت فورة الناس للأسهم فركبت الموجة على أكتافهم وأقرضتهم برواتب عشر سنوات - بينما البنوك عادة في مجتمعنا العملي أكثر بنوك العالم تقتيرا في منح القروض- وأنها ركبت الموجة على أكتاف المساكين من الناس. ولما جاءت دوامة الغرق، امتطت البنوك الموجة وتركت المقترضين وحدهم يغرقون.. بعد أن أخذت أطواق النجاة معها.
 
لذا فهو يرى أن مؤسسة النقد ملومة ومسؤولة لأنها تركت البنوك تقطع لحم المقترضين بدون أن تتدخل وكاد أن يقول أنها سهلت لهم سن السكاكين، ثم ينهي المقالة بإعطاء الحلول. وأنا ألخص لك الرأيين ولا أنقل ما قالاه حرفيا.. أجزمُ أن الكاتبَيْن يقصدان في النهاية مصلحة الجميع، وكل منهما انتهج طريقا. وسأقف عند الزامل قليلا، لأشكره أولا على عاطفته الواضحة وحدبه على الناس وهذا مما لا أستطيع إنكاره لأن ليس من مصلحة أي رجل أعمال أن يتصدى للبنوك أو مؤسسة النقد، وهنا يتسلح بدرع الضمير والحب للناس ومراعاة المجتمع ككل، ونسجل له ذلك، ولا تطرف لنا رمشة عين. ولكن هل تكفي العاطفة؟ أم أن العاطفة تطلق الكلمات، ثم أن الكلمات لا تعود ملكنا لنسيطر عليها. وسأعود إلى هذه النقطة بالذات، ولكن دعني أفرغ أولا من الأستاذ خالد بوعلي.. الأستاذ خالد ذهب إلى منطق واقعي وعاب أن يُسمى بعض الناس مساكين وهم يملكون قواهم العاقلة، ويرى أن البنوك لا تلام قانونا ولا نظاما لأنها طبقت عقدا مفهوم الشروط بين الطرفين، فالنواحُ إذا غير جائز. وهذا الكلام لا تنقصه ذرة من المنطق الواقعي.. إلا أن الشد بين المقالتين سيُضيع مع الزمن المرام الحقيقي وهو إنقاذ الحالة العامة في السوق. وهذه طبيعة الخلافات، تشتد وتكبر وتضطرم حتى ينسى المختلفون لم اختلفوا أصلا.. فنضيف مشاكل جديدة على مشاكل نازفة قديمة. ومن ناحية النصح وإبداء الحلول، أشجع دوما استخدام المكر الجميل، أي أنك إن أردت أن تقنع من هو في موقع القرار المكبل بأشياء كثيرة أهمها الهالة بالأهمية المضاعفة كطبيعة تكاد أن تكون لازمة عند أصحاب المناصب الكبيرة في بلادنا –خاصة- وتورث تشنجا في الدفاع عن القرارات.
 
 وبالتالي فإن أي اقتراح مطروح على الرأي العام لن يتبناه بل على النقيض سيُثبت بكل الوسائل مغالطته، وتكذيبه وتفنيده فننتقل من محاولة الحل إلى عراك لا يفيد، وإنما يؤخر عجلة الحلول أو يدفعها بقوة إلى الوراء. لو كانت رسالة الدكتور عبد الرحمن مغلقة إلى مؤسسة النقد، وحاول بمكر جميل، كما قلنا، أن يلبسهم الفكرة وكأنها منهم أو لهم أو لصالحهم، فأنا متيقن أنه -على الأقل- لن تنمُ حالة احتقانٍ كما نمت الآن.. وعند الاحتقان لا يعمل الحسُّ السليم.. نظرية مثبتة! إلا أن كان الدكتور قد فعل وكرر، ورأى أنه لم يُقنع، ولم يُصْغ له، فعمد إلى حرق الورقة الأخيرة مضطرا أمام العالمين. وأقول إن حلولَ الزامل لن تبلعها مؤسسة النقد بسهولة إما ـ ربما- لعدم ملائمتها للنظام كما تعرفه المؤسسة من موقعها، أو حتى لا تبدو مؤسسة النقد هزيلة بحيث يعييها أن تخرج بحلـّيْن بسيطين أوردهما كاتب على الملأ.
 
إننا خسرنا تهيئة مناخ التفكير، وحفرنا خنادق للخلاف والمحاربة.. وهذا حصل وبأسرع مما توقعنا. وأعود إلى رأي خالد أبو علي في حق البنوك، كما قال من حيث اكتمال إرادة الطرفين،وهو كلام فيه منطق واقعي، وأتعجب من أننا ما دمنا في بلادنا قبلنا لعبة آلية الفائدة على القروض فلا بد إذن أن نقبل شروط اللعبة.. منتهى العدل. عندما تلعب بالنار فلا تأمن الاحتراق.. منتهى العدل.
 
لا أقول ـ أبدا- إن آلية الفائدة في البنوك مثل شايلوك المرابي اليهودي في مسرحية شكسبير تاجر البندقية حين أقرض الشاب أنطونيو مالا وشرط عليه في حالة التأخر أن يقطع رطلا من لحمه، فنية اليهودي بينه الشر والأذى، ولكنها قائمة على ذات اللعبة وهي قبول الفائدة وقبول عقاب الفائدة، ضمن عقد موقع بين طرفين يعيان ما يفعلانه. ليس هناك نظام يعي المصلحة الإنسانية قبل المادة، إلا النظام الإسلامي، لأنه يعتمد أيضا على آلية منطقية واقعية ولكنها أكثر حكمة وعدلا في تحريم الفائدة وانتهاج الشراكة، ليكون الطرفان متعاونين بإرادتهما،أو رغما عنهما من أجل مصلحتهما، ولا يكونان غريمين ينتظر أحدهما وقوع الآخر أو نجاحه والاستفادة منه في الحالتين.
 
.. إننا متى قبلنا لعبة الفائدة في البنوك، فأمامنا حلاّن لا ثالث لهما، إما الوقوف ضد الآلية كاملة وانتهاج آلية المشاركة الإسلامية ولو بالتدرج.. أو أن يأتي أحد ويقوم بدور محبوبة أنطونيو "بورشيا" الداهية التي تنكرت في لباس محام وشجعت القاضي أن يأخذ اليهوديُ حقـَّه من لحم أنطونيو عدلا وإنصافا.. ولكن إن زادت قطرة دم أو نقصت، فيقتص بقطع مماثل من لحم اليهودي، فعاد اليهودي عن طلبه. ليست البنوك مثل شايلوك قطعا.. ولكننا في حاجة إلى محامٍ "يفهم اللعبة" مثل بورشيا.