سأحترمك إن أردت طعني من الأمام
سنة النشر : 01/05/2009
الصحيفة : الاقتصادية
"الأصدقاء الحقيقيون هم الذين يطعنونك.. من الأمام!" – أوسكار وايلد.
.. و" أوسكار وايلد" الأيرلندي هو شقي الأدب الإنجليزي، وأمهر من صاغ الأسلوب المرح الملون ذا الفلسفة المعاكسة أو المفاجئة، وهو الذي قال عن مواطنه جورج برناردشو:" صحيح أن جورج ليس له أعداء، ولكن لا أحد من أصدقائه يحبه!" (جملة اعتراضية: الاثنان هاما إعجابا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم).
وبقدر ما هي مفارقة ومفاجئة نظرة "وايلد" للأشياء، إلا أن كل ما يقوله، رغم استهجانه أحيانا، يدعو للبحث عن ذلك السر في قوة معناه وسريان تأثيره. وفي هذه الأمة نحتاج إلى أن نتلاقى ليس بمختلف أفكارنا أو انتماءاتنا فقط، وإنما الأهم من حيث مواقعنا.
يعني، في الأمة نوعان من العقول: نوع في الداخل، ونوع في الخارج. إذا تفاعل العقلان تحرك المجموع بسائره، وإن أملى طرف على طرف الهيمنة والسيطرة تعطل كامل التطور فضلا عن بسط الآراء ودفع عملية التفكير. كيف؟ في مجتمعنا بالذات نحتاج إلى ما قاله "وايلد"، ليس بالطريقة الصادمة التي وصفها، ولكن بعض الأقوال تأتي مثل اللكمات على وجه فاقد الشعور، ليستيقظ .. أولا، ثم يبدأ مرحلة الوعي بما حوله. وتأكد أن مجتمعا لا يتفاعل العقل الذي في الداخل مع العقل الذي في الخارج، فإن النتيجة مجتمع مغمى عليه. ونقصد بالعقل الذي في الداخل هنا الموظف الرسمي، والعقل الذي في الخارج هو عقل فرد الناس الذين في الخارج.
يعني أن هناك مجموعتان متفوقتان (أو بارزتان إن شئت) وهاتان الفئتان يجب أن يتفاعلا بمواجهة بعضهما: فئة كبار المسؤولين الرسميين وهم الصفوة صاحبة النفوذ والقرار. وفئة الصفوة المتفوقة من المجتمع العام، وهم لا يملكون سلطة القرار، ولكن قد يملكون مضاء النفوذ على الرأي الكلي لو كانت "الظروف" تتيح ذلك، الظروف التي هي تقليديا بيد العقول الذين في الداخل، أي الموظفون الرسميون. والظروف هي مدى الحرية المتاحة كي يرن جرس العقول المستنيرة من الناس. لا تظهر مدى صحة القرار الرسمي، إلا إن كانت هناك مرآة نظيفة وصريحة تعكس صورة هذا القرار.
القرارات الرسمية هي القرارات التي تؤثر في حياة كل فرد منا، وهو تأثير يتفاوت من مسائل اليوم البسيطة، إلى مسائل تتناول الحياة ذاتها. ففي مجتمع لا يجعل العقل في الخارج يعكس مدى صحة القرار الحكومي، أو مدى ابتعاده عن الصحة، هو مجتمع آليّ يعتمد الأمرَ التنازلي.. ويصير المجتمع قسمان، قلة قليلة تقرر ولا تحتاج كل جهد التفكير، وكثرة كاثرة تقاد، ولا تفكر. وهنا ننتهي إلى مجتمع خامل يغرق في طين ثقيل من كثرة القرارات المتفردة الآمرة.
ولا يكفي فقط أن نجعل الفئة الصافية من المجتمع تقيس أحوال الشأن العام، بل يجب أن تخفف من سطوة السلطة الرسمية ألمدججة أمام أراء أصحاب العقول والاختصاص في عموم الناس. فالرأي يحتاج أمنا وحماية، وقد لا يكون في مجتمعنا نمطُ الأنظمة الشمولية في التعسف الجسدي ضد أصحاب الرأي، ولكنك تجد أن كثيرا من المسؤولين لإحساسهم العميق بمدى سلطتهم لا يتقبلون النقد، ولديهم الاستعداد لنشر ردود ومقالات الترغيب والترهيب، وهذه السلطة بعضها يفرض نفسه بحكم الأثر السيكولوجي خصوصا بكثرة لقب صاحب المعالي لدينا، وهو لقب يأسر صاحبه جدا بقضبان من ذهب ويشل عفوية حركته وتفكيره، وسترى إنك لو وضعا مدير مصنع بدرجة وزير، فإن أول ما سيفعل بعد نيله اللقب هو خلع زي العمل العملي، وارتداء المشلح، فيتعطل ويعطل المصنع، وكثرة الألقاب تعطى للتنفيذيين المباشرين تخلق منهم كائنات صعبة التعامل، ومحسومة الحركة، وتشكل درعا ضد الاختراق، فلا تستقبل الاقتراحات الخارجة من أصحاب الرأي من الناس، وتتيبس بعناد عند رأيها. ولما تنكمش الآراء وتتراجع.. يبدأ المجتمع برحلة الانسلاب والسلبية.. في طريقه للإغماء.
وخوفا أن ينبت في الظلام أصدقاءٌ يبتكرون الأحابيل في الطعن من الخلف، نجد أننا – لو تأملنا مليـّا - "بمنطق السلامة" فسنفضل الأصدقاءَ الذين ينتقدوننا من الأمام..
لن تتخيل مدى سرعة انطلاقتنا في كل الميادين لو أوجدنا هؤلاء وقبلناهم .. فهم الأصدقاءُ الحقيقيون.. منتقدو النهار.