وحان دورُنا..
سنة النشر : 01/05/2009
الصحيفة : الاقتصادية
أظن قد أزف الوقتُ الذي نسأل فيه أنفسنا هذا السؤال، وبصراحة. وأرجو ألا يُقرأ كلامي على وجه الانتقاد، أو سلب المسؤوليات، أو اليأس من وضع غير مقنع إلى آفاقِ أوضاعٍ أكثر إقناعا.. كل ما في الأمر أنه سؤالٌ تبادر إلى ذهني أنه منطقي جدا، وعادل، وحقّ، في سبيل إدارة هذا المجتمع الكبير إدارة أعم كفاءة، وأسخى إنتاجا.. وإن تلمّسَ أحدٌ في قولي خطأ أو شططا، فليوكله إلى الاجتهاد الذي يحتمل الخطأ، ولا يصنفه إلى الانتقاد الذي يتصيد الخلل.
والسؤال: أليس من نقص البداهة وقلة النجاعة أن نترك كل شؤون هذا المجتمع الكبير، الذي تتعقد مواضيعه، وأغراضه، وأعماله وأهدافه كل يوم، لمجموعةٍ قليلةٍ من الناس.. أو بالتحديد لمجموعةٍ قليلةٍ من أشخاص هم في ناصية القرار، فيحركون رغم قلتهم كل هذه الورشة الهائلة؟ ألم يحن دورُنا؟ دورُ بقية الناس..
كلنا! حان الوقتُ لنشارك في صنع مصائرنا تحت أمة واحدة، ويربطنا النظام والقانون، وقبل ذلك مبادئ الشرع. هذه المشاركة، متى تنظمت واتسقت ونسقت، ستكون النبضُ يجري في كل العروق الوطنية، وسيزداد الفخر بالانتماء، وسيقلّ التململ والانتقاد والغضب والتحسر ورفع إصبع اللوم دوما لصدر الحكومة.. وسيكون الشعورُ بالرضا غامراً بأننا نسهم في إدارة مجتمعنا مهما تضاءل أو تعاظم دور كل منا.
إذن، تحقيق حسنَ القيادة للمجتمع الشامل لن يكون مقصورا أو مطلوبا فقط من كبار الموظفين أصحاب القرارات الكبيرة، فإنه في نظريتنا هذه معقود بارتباط مباشر مع المواطنين أصحاب الوعي والمدركين للمسؤولية التي لهم، والتي تتعداهم. أما كيف تكون هذه المشاركة الكبرى والمهمة؟ فهي في تفعيل دور كل مواطن في الموقع، والمكان، ومساحة القرار والتحكم الذي نحيا ونعمل به، أن نضع المعايير لأدائنا في العمل والمنزل والجيرة، وأن نضع برامجا لتطوير مسالك حياتنا، ورفع قيمة وجودنا.
وإصلاح البيئة اللصيقة بنا داخل أعمالنا مع زملاء العمل، وداخل بيوتنا مع أعضاء سرنا، ومع جيران أحيائنا لخدمة الحي وأهله، والاتصال مع مدير المدرسة في الحي، ومع الأنشطة المحيطة، إننا نستطيع أن نفعِّل أداءَ مدرسة أضعاف أدائها المعتاد وهي تحت فقط قيادة الهيئة الرسمية، ونستطيع أن نتحكم في بيع المواد الضارة في متجر أو متاجر حيّنا، نستطيع أن نفعل أداءَ المسجد مع إمام المسجد، ونستطيع أن ننسق مع مقاول البلدية لرفع مستوى النظافة ومشاركة البيوت مع العاملين.. نستطيع أن نجمل حديقة الحي أو نطالب بوجودها ثم نرعاها، ونستطيع أن نعمل مشروعا تكافليا لتقوية أولادنا في المواد الدراسية، وتدريس اللغات، والكمبيوتر، ووسائل اللهو المفيد.. نستطيع أن نفتح مكتبة صغيرة في حينا، أو داخل منازلنا لتشجيع القراءة وتبادل المواضيع وحلقات النقاش في المعارف العالمية، ونستطيع أن نتبرع باستقبال من يريد القراءة في بيت من يملك مكتبة منا، وأستطيع أن أشارك في تخطيط الحي جماليا متى كنت معماريا أو مصمم حدائق، وأستطيع أن أدرس الأولاد متى ما كنت مدرسا، ونستطيع أن نتشارك في حافلة تنقل أهالينا إلى الأسواق والمحطات الأخرى، بل نستطيع حتى بالتعاون والتنسيق والجهد والمشاركة القليلة في حراسة أحيائنا.. كي نستطيع أن نفخر بأننا نسهم في رسم وتحقيق مصيرنا، ولا يحرقنا الانتظارُ ليتولاها تماما الموظفون عنا.
وهي أعمالٌ متى ما وُعيَتْ تتطور بلا حدود.. إلى إنشاء الجمعيات التعاونية.. لم لا؟ ما الذي يمنع؟ ونستطيع في مكاتبنا تنظيم وتفعيل الاتصال غير الرسمي، ونختار من بيننا، كموظفين، الموظفين المثاليين، ونصرف من عندنا الجوائزَ والحوافز، ونستطيع كتجار أغذية، وتجار قطع غيار تشكيل مجموعات صغيرة منا وثابتة تعنى بالجودة، وصحة الصنع، ملاءمة المنتج والسلعة، وتنظيم السوق، وضخ الموارد الصغيرة في رفع الحراسة والأمن.. لن تفعل الحكومة كل شيء، ولا المؤسسات إن لم يكن هناك وعي ومسؤولية في المشاركة برسم وصنع المصير بالمشاركة في إدارة المجتمع.. وإني أعطيكم مثلا آخر ينخر في ضمير الأمة، وهو هذه السلسلة التي ولغت في نخاع مجتمعنا بالإساءة إلى النساء وتعذيب الأطفال، وجرائم الأخلاق، إن السلطة الرسمية لن تكون قادرة وحيدة على الإحاطة بكل هذه الطفرات المشوهة في سلوك آلاف الأفراد، حتى لو جدّت كل الجد، فإن أصابع اللوم ستكون دوما مغروزة في صدر السلطة الرسمية، متى وضعنا لنفسنا قانونا أخلاقيا، وسلوكا قويا ونفاذا، في التصرف إزاء كل ممارسة مسيئة إلى الضمير والعقل الإنساني.. لأنقذنا أعدادا لا تحصى من الضحايا، ولما ماتت في الأمس بنتنا غصون من مكة من تعذيب دموي قانٍ وسادي لا يوصف من أبيها وزوجة أبيها. لا يمكن أن تكون الحكومة ملومة وحدها، ولا هيئة حقوق الإنسان السعودية التي خلقت بلا مصداقية اجتماعية ( حيث يقول الضحايا لي شخصيا ويكتبون أنهم يبلغون اللجنة ولا يأتيهم ما يفيد) .. ماتت غصون لأننا كجيران لم نتحرك، وكأهل من العائلة لم نتحرك.. شاركنا كلنا في موت غصون وكل طفل وزوجة تتعذب ليس بأيدينا مباشرة، ولكن بأيادينا المغلولة وبضميرنا السلبي، ولأننا لا نسهم في رسم وصنع مصيرنا بأنفسنا. وإن مشاريع السعودة، ومشاريع أحدثت ضجة وخلافا مثل قرار تأنيث التجارة النسائية ما أثارت كل هذه الفوضى إلا لوجود الخندق الواسع في مفهوم صنع المصير، وعندما لا نسهم في صنع مصائرنا وحل مشاكلنا ورفع أدائنا، والتعامل مع متغيرات واقعنا.. فلا بد أن يتدخل الموظفُ الرسمي، والموظف الرسمي يرى الورقَ، وقليلا ما يمكنه رؤية الناس. هل ما قلت هو من المثاليات؟.. فليكن. لنعمل أن تكون المثالية على الأرض، والحلم الممكن حقيقة.. وإني لا أرى نفسي مبالغا إن قلت إن ذلك أوضح الطرق لحلول معظم مشاكل الأمة.. الاجتماعية على الأقل!