السهم الأول.. والقاطرة
سنة النشر : 01/05/2009
الصحيفة : الاقتصادية
يختتم الملك عبد الله واحدة من أهم الزيارات التي يقوم بها عاهل عربي من حيث التأثير ومن حيث النتائج، وإن كان تقديرينا يعتريه شيء من الدقة في الشكل العام، فإن الفائدة العائدة على المنحى الاقتصادي لا يقبل إلا أن تكون ريادة مشهودة. إن الملك عبد الله كرس واقعا جديدا في الزعامة الأولى، وهو أن يكون قائد الأمة هو سهمها العالمي، وهو سهم ماضٍ، واسع المدى، وله قدرة فريدة في إصابة قلب أكثر من هدف في آن.
الزيارة لكبرى دول آسيا، والصين والهند بالذات تعدتا أن تكونا من أكثر الدول الآسيوية نموا وأثرا في القارة، لتسجلا حضورا دوليا بازغا في السياسة وفي المال وفي الصناعة، وهما صوتان ثقيلان في ميزان دولي، فإن المملكة هنا تكرس نفسها ثقلا دوليا أيضا في القارة الآسيوية وفي كل العالم. وهنا شيء مهم جدا، فالسياسة السعودية لم تعد تدور الدنيا وهي تحمل فقط نكهة النفط، ولكنها تدور الدنيا وهي تقدم نفسها شريكا مؤثرا، ولا يكفي، فهي أيضا تلمس أثر هذه القوة الجديدة وستستخدمها في مصلحتها أمام العالم، إنه المنطق السياسي الدولي الذي أثبت فيه الملك عبد الله أنه يضع بلاده وضعا صحيحا ومتزنا وراسخا في الخريطة الدولية، لقد حان الوقت ليكون صوتنا بقوة تأثير طاقتنا التي تحرك مولدات العالم.
حين نقول مصلحة البلاد لا يرمش لنا جفن عين، لأن المصلحة هي المنطق المفهوم سواء كان مقبولا أو غير مقبول، وهو المعادلة الواضحة التركيب والواضحة النتائج، هي ميزان الربح والخسارة الذي يدل رقميا بصورة صحيحة ودقيقة سواء كانت النتيجة ربحا أو خسارة.. المصلحة منطق رياضي صرف، وفي المنطق الرياضي تكون الأشياء بصفاء الكريستال، حتى أن الإغريق كانوا يسمون الرياضيات اللغة الصافية.. إذن بعقلية صافية يقود الملك عبد الله سياسة الأمة ببنود واضحة وصافية ولا تحتمل أكثر من قراءة إلا لمن لا يفهم قراءة المنطق، فهذا شأنه.
وحين نقول مصلحة البلاد أيضا لا ترجف لنا عضلة واحدة في ثبات وحق ما ندعيه، المملكة –بالذات- عندما تسعى بقوة ووضوح ومنطق ورؤية كاشفة وبلا مواربة ولا تنازلات بلا مقابل فإن هذا ليس أبدا مدعاة للصق صفة الشوفينية عليها.. أقول لك لماذا.. المملكة العربية السعودية دولة إسلامية ولا دستور لها غير الإسلام، وترفع القرآن مصدرا أعظم وأوحد لمصدر أي تشريع، فهي هنا وبوضوح شاهق تقدم صفتها الإسلامية المكينة التي لا تحتمل منطقا أي احتمال آخر، وقد تكون الدولة الوحيدة في الأرض التي يستطيع أي فرد على الكوكب فهم وإدراك طبيعتها بلا تغييرات كبرى، ولا مفاجآت، ولا تبديل للنصوص.. إن من يقدم نفسه ناصعا إلى هذه الدرجة إنما يقدم خدمة لا تقدر بثمن لكل من يتعامل أو يحب أن يتعامل معه.. أو حتى من يعاديه.. هل هناك حق أو عدل أكثر من ذلك؟ والمملكة العربية السعودية حينما تدخل القارات لتبحث وتقر مصلحتها وتخبر العالم بعزمها في ذلك عزما مستمرا ثابتا لا يتغير مع المبدأ ويكون مرنا مع الظروف، أيضا لا تسجل هنا موقفا شوفينينا أنانيا، لأنها كما قلنا دولة صفتها الإسلام، وبالتالي فهي حين تقدم مصلحتها فإنما يتبع ذلك وبالضرورة المنطقية الرياضية مصلحة كل ما هو إسلامي، أكانت مصلحة لأي دول مسلمة، أو شأنا إسلاميا، إلى مصلحة أي فرد مسلم على الأرض.. وبوضوح أكثر، إن كنت ترى المزيد، أن السعودية بقـَدَرِها كدولة تمثل القيادة الإسلامية، رغبت أم ترغب، فإن أي شيء تقوم به إنما ينعكس على الإسلام والمسلمين، فنحن لا نستطيع أن نكون قوميين شوفينيين.. حتى لو أردنا!
كما أن السعودية أيضا دولة نفطية، فهي إذن لا تستطيع أن تكون شوفينية في هذا المضمار أيضا، فإن أي مصلحة تسعى إليها السعودية في الشأن النفطي إنما يكون منجرا ومنسحبا على كل دولة في الكوكب تدخر طبقاتها الأرضية أي قدر منه.. ولأنها هي قاطرة النفط في العالم فإنها لا تستطيع أن تنطلق من دون أن تجر قافلة العربات وراءها، فتروح معها حيث تروح، وتصل معها أينما تصل.. دور قدري آخر.. وهنا لا نستطيع أن نكون شوفينيين قوميين حتى لو أردنا!
كما أن السعودية في مصالحها الإقليمية، الأمنية، والسيادية، مهما عملت لمصلحتها فإن هذا بالضرورة المنطقية الرياضية لن يكون فقط محبوسا لمصلحتها، فإنها أيضا لا تستطيع أن تكون ضيقة المصلحة أو شوفينية هنا، فهي من هذا المرتكز المهم والمتعلق بالكيان الوجودي للأمة إنما ترتبط ارتباطا عضويا مع كل دول الخليج العربي، إن أي شيء تسعى إليه بحكم أنها الأقوى والأكبر اقتصادا، والأهم تأثيرا، والأوسع مساحة ينعكس تلقائيا على كل منطقة الخليج، وبالتالي إن أي تسلل يصيب المنظمة الخليجية إنما هو ثقب يتصل إلى المملكة.. وفي الارتباطات العضوية لا خيار. لا يمكن فسيولوجياً أن تفصل عضو من جسد واحد ثم يقدر له أن يعيش من تلقائه. شاءت السعودية أم لم تشأ، فهي قلب الخليج الذي يغذي كل خلية فيه بالصاعد والنازل.. دورة حياة حتمية.
من منطق واقعي عدما ينطلق السهم السعودي الأول في العالم فإنه يصيب أهداف عدة في آن.. ويفيد جهات عدة في آن.. لا حقيقة غير ذلك!