يا طوالَ العُمْر

سنة النشر : 13/06/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. يسألني السيد ُسعد الخالدي: "هل تعتقد في إن إطالة العمر ممكنة؟"

وأنا فهمتُ رسالةَ السيد سعد من ناحيتها الصحيةِ المباشرة، وقدْ يكون له مغزىً فلسفي لم أكتنه معانيه.. على أن السيدَ سعد أثار رغبةً متأصلة لديّ في تحديدِ مقالٍ علميٍّ أو صحيٍّ شهري هنا، وهاهي فرصةٌ تأتي مواتية بفضلِه.

ومفهومي، أن إطالة العمر تعني تعدي العمر المعروف لأي أصل حي، وأن "مدة الحياة" هي أقصى مدة يعيشها النوعُ سواء، في الظرف الطبيعي، أو ما يُسمَّى بظروف البقاء أو النجاة. لذا، لو سألتني عن معدّل الحياة الأقصى الذي يمكن أن يصل إليه إنسانٌ في ظرفٍ عادي بعيد عن آكلات وقواصف العمر الصحية الاكتسابية لأجبتك بأن هذا العمرَ بمعدله الأقصى مائة وعشرون عاما. وهذ العمرُ مسجلٌ بكثرةٍ فلم يعد من النوادر.

وهناك شيءٌ اسمه معدل الحياة أو البقاء للعموم، وهذا المعدل هو ثمانون عاما، وهناك معدلٌ للحياة يختلف من بلد لبلد فبينما يكون معدل العمر في السويد يصل للثمانين عاما، ففي أنغولا في وسط إفريقيا عندما يولد صبيٌ هناك سيكون معدل عمره المسجّل في السجلات الوطنية (إن أمداه أن يسجل) لن يتعدى الخمسة والعشرين عاما بسبب الحروبِ والاضطراب والمرض والجوع.

وهناك معدلُ العمرِ للجنس، فقد أثبتتْ الدراساتُ المتتالية أن النساءَ يتعدين الرجالَ بطول العمر من سبع إلى عشرين سنة بالتمام والكمال، ما شاء الله. وأتساءل هنا، وأود أن تتساءلوا معي لمَ يكون عمر بقاء المرأة على الأرض في الظروف العادية أكثر من الرجل؟ فاللهُ له حكمة ولا شك وراء ذلك. ربما لأن المرأة أهم حين تكون هي الراعية والمربية، أو لأن عناصر المرأة الفسيولوجية أشد مقاومة من الرجل.. لكن صبرا، أثبتت الدراسات الغربية أن المرأة العاملة تتساوى مع الرجل في مدة العمر غالبا. ربما لتعرضهما لذات الضغوط.. ولكنه سؤالٌ مفتوح أترك لكم التفكير فيه.

ثم أن هناك العمرَ المناطقي، ففي الهند مثلا مدينة مومباي يبلغ معدلُ البقاءِ عند الطبقة العليا والمتوسطة بين السبعين والخامسة والسبعين، وينحدر هاويا عند الطبقة المعدمة إلى أقل من خمسين. وهنا نقول إن الأعمار تخضع للظرفِ الموضوعي.

وستخضع الأعمارُ للظرفِ الزمني أيضا، فبينما كان معدلُ حياةِ الإنسان في القرن الرابع عشر في أوروبا هو الخمسة والأربعين عاما، فإنهُ في القرن التاسع عشر، عندما ارتفعَ الوعيُ الصحي والنظافة الفردية والاجتماعية المدنية والتقنية الطبية، طار المعدلُ إلى ستين عاما.. وها نحن نطل على القرن الحادي والعشرين ليصعد المعدلُ إلى الخمسة والسبعين عاما. وسيتحسن طول عمر الإنسان ربما إلى مائتي عام كما تتنبأ بعض الدراسات الطبية المتخصصة بإطالة الأعمار لتطور مذهل في طب المناعة.

ثم هناك العمر الوراثي الجيني، فأُسَرٌ معروفة أنها تعمِّر حتى المائة بسعةٍ وراحة، وأُسَرٌ بالكاد تتجاوز الستين عاما.. وهذا له علاقة وطيدة بعلم اسمه الطب الوراثي، أو علم الأحياء الوراثي.. وهو علمٌ يتقدم بإدهاشٍ كلّ يوم.

وهناك دراسة أطلعت عليها بتروٍّ وإعادة واحدة من هرفرد الأمريكية بأن للعمر علاقة بالتفاعل الاجتماعي، فالأعزبُ مثلا والذي تخلو حياته من مقربين حميمين تنقصف أعمارهم - هه، وبعضنا يحسدُ العُزابَ!

وفي دراسة مقابلة للممرضات العازبات، ودراسة أخرى من معهد كارولينسكا السويدي يبين أن العازبات الوحيدات أيضا تقل مدة طول أعمارهن بشكلٍ واضح مقارنة ببقية النساء - هه، وبعضهن يحسدنّ العازبات!

ثم إن العادات غير الصحية أو التي لا تتوخى السلامة أيضا تحدّ من بقاء الإنسان حيا مدة أطول، أو تنتهي في رمشة عين. ففي بلادنا تكون القواصفُ الكبرى للأعمار هي قلة الحركة، الغذاء المليء بالسموم الشحمية والكيميائية، فينتشر مرض القلب، والسمنة، والسكري. وانتشار التدخين فيكون سرطان الرئة أول القواصف، والتهاب الرئةِ الحاد، والسكتة القلبية وانسداد مسالك الشرايين.. وبالنسبة لشبابنا فالقاصفُ الأول: حوادث السيارات.

وربما أسعفنا مقالٌ آخر للتحدث عن الوسائل الصناعية كالمكمّلات والفيتامينات في إطالة الأعمار، ولكن الشيءَ الوحيد الذي لا علاج له مهما ادعوا هو: نهاية العمر. الموت. فالموتُ حق.

ويا أستاذ سعد الخالدي: أطالَ اللهُ في عمرك!