سنة النشر : 05/02/2010 الصحيفة : الاقتصادية
.. إنهم الجنسُ الصافي، لا بل الجنس الأصفى. إنهم أحسنُ الناس، لا يخطئون ولا يزلـّون، وإن أخطؤوا أو زلّوا فهو مبرَّرٌ ومغفورٌ سلـَـفا، خصوصا إذا كان قد وقع على آخرين وليسوا هم. وبلدهم أفضلُ أرضٍ مشى عليها بشريٌ، ولا تقارَن بأي أرضٍ أخرى، وهم كعنصر بشري لا يقارنون أبدا مع أي عنصر بشري آخر.. بل لا يجوز. ولهم ''خصوصية'' متفرّدة وحيدة ليس لها نظيرٌ على الأرض، وبالتالي لا يحق لبقية العالم أن يطالبهم بما تُطـَالـَب به بقية الدولُ.. لا يجوز. هل عرفت من هم؟ هل عرفتَ هذه الدولة؟ طيب، لا تذهب بعيداً، إنهم الكوريون.. وبالذات في كوريا الشمالية.
لكل ظرفٍ تمرّ به فائدة، وقد تشكر مرورَ هذا لظرف عليك. تطلب ظرفي الأخير أن أقضي وقتاً في القراءة الطويلة، وصادف أن هذه السنة يحتفل الكوريون بسنتهم الكورية- وربما جاء وقت نطل عليه على معناها وحساباتها- وقررتُ أن أقرأ كتابين لفتاني عن كوريا تحدث عنهما النقاد.
تقول إحدى هؤلاء النقاد وهي ''ميلاني كيركباتريك'' والتي كانت نائبة لتحرير في قسم الرأي بجريدة ''الوول ستريت جورنال'' إن بروفيسوراً كوريا جنوبياً من معارفها حضر مؤتمرا في الصين، واستوقفه أحد زملائه من كوريا الجنوبية، وعنفه صاخبا: ''يا أخي، قرأتُ إحصائية قهرتني عنكم أيها الجنوبيون، لقد زاد معدلُ زواجكم من الأمريكان بالذات أكثر من 20 في المائة مقارنة بالعام الذي قبله، ألا تستحون على دمكم؟ كيف تلوثونه بقذارات الدم الأمريكي وغيره، كيف تدنسون عنصرنا الأصفى؟'' وشبيهٌ بهذا ستجده في كتاب ألفه ''ب. ر. ماير'' بعنوان ''العنصر الأصفى The clearest race''، والمؤلف وهو بروفيسور في جامعة ''دونج سيو''في كوريا الجنوبية، يركز بحثه على الكوريين الشماليين، فالجنوبيون كعنصرٍ كوري، يحملون هذا الاعتزازَ العنصري، ولكن مع التقنية والصناعة والانفتاح الديمقراطي، وتطبيق أنظمة الرقابة والشفافية، والشراكة الدولية، ومعاهدات مع الأمريكان في قواعد عسكرية وتعاون في أكثر من مجال استراتيجي، وانفتاح شعب كوريا الجنوبية على العالم، وتعلم أبنائه في الخارج، جعل هذه الظاهرة تُخفَّفُ بحجم السيولة المعرفية والتواصل العالمي.. ولكن كوريا الشمالية اكتشفتُ بعد أن قرأتُ الكتابَ أنها ليست كما نظن شيوعية اشتراكية، أو ستالينية، أو ماركسية/لينينية، ولا كنفوشيوسية، ولا حتى تخضع لنظرية الرؤية الخاصة بعقيدة النظام، بل إنها الإيمان العميق بأن أعرق وأسمى الأخلاقيات على الأرض هي الكورية!
وأول قائمة العناصر البشرية التي على الكوري النقي العنصر أن يتجنبها هو العنصر الأمريكي الذي طبيعته التلوث، لأنه لا يملك أي صفة للعرق الوحيد، بل هو مصبٌ دمَوي لكل الأعراق، والغريب أن الكوريين الشماليين يؤكدون أن اجتماع أكثر من عرقٍ معاً يولّدُ عنصراً أكيداً في طباع الإنسان، والشعب بالتتابع، وهو عنصر الدناءة والخبث، فما بالك بالعنصر الأمريكي الذي هو بحيرة تصب بها وفيها كل دماء الأرض؟ّ! ثم إن النظرية الكورية تؤكد أنه في شعبٍ من هذا النوع يصير حتما دائما لا يتغير انتقال الخبثِ والدناءةِ بالوراثة. ''اليانكيون''، وهو ما يطلقه الكوريون الشماليون على الأمريكيين، ساحبين منهم صفة الأمركة، لإسقاطٍ واضح، سيبقون خبثاء بالضرورة، وبالمحَتـَّم، وبالبناء الجيني.. على الأقل كما يرى الكوريون الشماليون!
طيب، كيف يفسر الكوريون الشماليون مسألة مساعدة أمريكا لشعب كوريا الشمالية في المجاعة التي ضربتهم قبل سنوات وقضت على أكثر من مليوني كوري يشكلون عُشر الأمة؟ بسيطة، العنصرُ الأدنى يخدم العنصرَ الأرقى ويعلن عن خضوعه التام لتقديم الولاء بالعمل من أجل إشباع العرق الصافي، وأحيانا يفسر أنه نوع من إعلان التوبة من العناصر الخبيئة تجاه العنصر الطاهر.. بس!
أما لماذا لم تفز كوريا الشمالية في حربٍ ولا مرة على أمريكا أو كوريا الجنوبية (الفاسقة التي تنام في حضن ابن آوى الأمريكي، كما تقول البروباجندا النظامية) فهو ما لن أتطرق إليه ولكم أن تسبحوا في خيالكم ، وستجدون أي تبريرٍ ترون فهو صحيح مادام يثبت أن النصرَ في النهاية للعنصر الأصفى، ولعلـّي أذكركم في حربنا مع إسرائيل؛ ألسنا في جولاتٍ معهم قد نُهزم بها لكننا سنربح الحربَ والخلود؟! بالضبط!
والكتاب الآخر هو ''لا شيء يُحسَدون عليه Nothing to Envy'' فهي للقاصة ''باربرا ديميك'' حبكة روائية مؤثرة للغاية على الطريقة التولستوية، عن ست عائلات عادية من كوريا الشمالية، وبدء معارضتهم الخفية والعلنية على الآلة الدعائية النظامية ونظرية العرق الأصفى.. إنه شعبٌ بدأ يعي أنهم مجرد ناس عاديين، وعليهم أن ينهضوا لوقائع الحياة..
إنها حكايات من الواقع تعطي برهاناً أن دولة أو شعبا يرى نفسه، واهِماً، مختلفا أو أفضل من بقية الشعوب، فإن مصيرَه الأكيد هو الوصول لعكس ذلك تماما.. التأخر عن البقية!