من خبـَّأَ البحرَ؟!

سنة النشر : 12/04/2010 الصحيفة : الاقتصادية


.. تشير الإحصائيات، ودوائر الصحة والعيادات النفسية أن مرض الكآبة يزداد يوما يعد يوم. يعني، لما يقول الواحدُ منا أن «صدرَهُ ضيِّق» فهذا هو المعنى المحدد والواجهة الأولى للقلق.

وأما لماذا يزداد القلق في الأماكن المحصورة في المدن ويقل في الأماكن المفتوحة؟ فهذا ما يثبته المسحُ السيكولوجي بأن الأماكنَ الضيقة التي ينكسر بها النظر، ولا تنطلق الرؤية للفسحة المفتوحة تسبب الضيق الذي يعصر الصدر، وكأنه يجفف هواء الرئة، ويمنع القلب عن الخفقان. لذا، فالذين يقطنون الأماكن المفتوحة هم أقل الناس عرضة للكآبة.

ولقد عُرِفَ البحرُ بأنه أكبر مواسٍ طبيعي ضد الكآبة، بأن تجلس أمام البحر بامتداده الأزرق الفسيح، ثم هو يكمل المهمة بسحب نقعة الكآبة من قلبك ليرميها في لجته العميقة، فتعود خفيفا، تحملك النسائم..

وأود أن تأذنوا لي بأن أنقل لكم من كتاب «شانترام»، للأسترالي «جريجوري دافيد روبرتز» هذا المقطع الرائع لغة ووصفا وحالة شعور، وهو أمام البحر على ساحل «جوا» الهندية.. (ترجمة ً): « .. ثم نزلت من كوخي، قاصدا الشاطئ، على بعد خمسين خطوة فقط، وتساويت متكئاً على كثيب رملي، وانطلقت روحي من صدري. كان الوقتُ قريباً من منتصف الليل، والشاطئ بدا عاريا مكشوفا مهجورا من المرتادين.

والقمر في سبيله للاكتمال، وكأنه عُلـِّق كميدالية من نور على صدر السماء، أو أني كنت أراه من فرط شوقي المؤلم لمن أحب ( وكان في رحلة بحث عن حبه المفقود) مثل قلب أرجواني مشع باحمرار الدم في نحر السماء المجللة بالسر الأكبر. أتعمق في غرقي التأملي وضوء القمر يتمايل مع كل موجة تكافح وتدور لتصل الساحل فتعانق ترابه أو ترابه يعانقها في تبادل عاطفي صاخب يملأ الدهر والزمان، وكأن ضياء القمر ذاته هو الذي يدفع الموج إلى الشاطئ، أو كأن القمر جمع مياه بحر العرب بإنائه الفضي الهائل، ثم يميل على محوره ليصب البحر نحو الشاطئ.. موجة وراء موجة.

وسط هذا الروعة الفسيحة صفت نفسي، وترققت أشاعيري، ثم بلا شعور صرت أردد أغنية من أغاني الأفلام الهندية تبين أني حفظتها عن ظهر قلب من تعدد سماعي لها، ونسيت نفسي فانطلق صوتي محررا آلامي وشوقي، ولم يكن في الساحل المهجور إلا طيف امرأة تحمل على رأسها سلة فاكهة تتقافز خطاها رشيقة تلاعب الموج، وتتمايل تلقائيا برقصة خفيفة مع صوتي. فجأة التفتُ.. ووجدتُ حبي بجانبي وكأن موجة قمرية أحضرتها لي.. » .

ولكن دعنا من الكاتب وحبه الذي ملأ قلبه شوقا وعذابا، ولنفكر في أنفسنا نحن. فإني تصورتُ أن واحدا منا ضاق صدره رغم كل محاولاته في إضافة وصلات سعة إلى صدره، إلا أن مجريات يومه وحياته، وأحداثه المحيطة، ومسئولياته، وظروفه المتعاقبة، والضغوط تنهال عليه من كل فجوة من شبكة حياته.. قرر أن يعاود طبيبا نفسيا، وبالفعل شكا للطبيب النفسي مواجع صدره، ونصحه الطبيب أن يقابل البحر ويتأمله ويتحدث مع موجاته، ثم ينظر إلى صفحة السماء ومعلق بها دبابيس مضيئة على لوحة سوداء بلا نهاية.. وسيعود بعد ذلك خفيفا مرحا وقد نضى عنه قلقه الذي أفضى لكآبته.. ولما خرج المريض، رافقه الطبيب إلى الباب ثم رده وراءه، وتنهد تنهيدة عميقة تدل على كآبة مزمنة ( أيضا!).. وقال في خاطره: مسكين، أين سيجد البحر؟ لما راح صاحبنا ليقابل البحر، لم نعرف أنه عاد حتى الآن.

لقد بحث عن البحر بين المنشآت، والمشاريع «السياحية!!» والدور المنيفة، ولم يجده، لقد اختبأ البحر.. لا، لقد خـبئ البحر!