المفقودُ الموجود!

سنة النشر : 18/04/2011 الصحيفة : الاقتصادية

 

"الشيءُ الوحيدُ الذي سيخلـِّص العالمَ هو التعاون" ـــ بيرترند رسِّلْ.

أذكر بكتاب عظيم للبروفسور "مارتن نواك"، وهو عالمٌ من أعظم علماء الأرض في الإحياء التطوري الرياضي، ما أورده بأن علم الأحياء الدارويني له جانب مظلم فيه من وحشية الصراع من أجل البقاء، وأن "داروين" ركّز بنظريته في التطور على المنافسة، ما أسماه النجاة للأقوى، أو البقاء للأفضل. يرى د. "نواك" بهندسة البقاء أن داروين مخطئٌ بمسألة البقاء بالمنافسة، مؤكداً استمرارية النوع الحيواني والنباتي والبكتيري وحتى الإنساني بآلية التعاون لا المنافسة. ويعضد حجة د. نواك ما أتاح له العلمُ الحديث من وسائل خرافية قياسا على عصر داروين.

سر الحياة الذي أودعه الله في الكائنات هو التعاون لا المنافسة، وأصدق وأبقى الآليات هي التي تأتي طبيعية من خلق الله. انظر أن أساسات الحياة وهي الخلايا إنما مبعثها الحيوي هو التعاون لا التنافس، يعرف علماءُ المختبرات، وأطباء المناعة أن الخلايا بأي نسيجٍ حي تشكل حلقات من الموائد الغذائية، أما تلك المادة الغذائية فهي من خلايا تموت موتا مخطـَّطاً لتعيش عليها خلايا جديدة. في أسّ الحياة ترى الجوهر هنا بازغا بأنه التعاون لا التنافس.

في "السافانا" الإفريقية الضواري تخطط بكتيبةٍ متوزعة من أجل اقتناص وليمة حية ودسمة من قطعان الغزلان، أو البقر الوحشي، أو الحُمْر الوحشية. والتعاون الإحيائي لا يقف عندما ينقض الأسدُ على الغزال ويقبض فكه القوي على قصبته الهوائية، ولكن يستمر التعاون حتى يترك الأسدُ الجيفة لتأتي الضباع لتعتاش، ثم تذهب الضباعُ لتهبط العقبان من السماء وتعتاش.. إنه التعاون طوعا أو قسرا، الآلية الأصحّ للبقاء.. لا التنافس. ركنٌ آخر من أركان الداروينية يقع في الهوّة.

طاف شريط نظرية التعاون للبقاء وأنا بمعية أساتذتي وأصدقائي بالاقتصادية بديوانية عائلة القاسم الكرام، وكان صحفيٌ يابانيٌ يشرح ما جرى لبلاده بعد التسونامي. الذي دار برأسي أن اليابان بلدٌ غريبُ جدا.. ومستوحش. منذ تاريخه المتابَع بعد القرن الثاني عشر حتى نهاية إمبراطورية "ألميجي". كوّن اليابانيون في معزلهم برأس الأوقيانوس الهادي حضارة وثقافة وروحاً خاصة بهم، ولأنهم عزلوا أنفسهم، طوروا بآلية الفهم الدارويني للبقاء الروح التنافسية، بل الروح العدائية، لذا كانت روح المحارب الساموراي طاغية كمسلك قدسي تطهري، وتجد أن البوذية التي وصلت اليابان بشقّ الأنفس (نقيض الهند الصينية، وكوريا وحتى الصين) يكون مسلكها المقدّس الأعلى هو "النيرفانا"، التصالح الأسمى مع عناصر الكون والسلام الأبدي، وبوذية لليابان صبغتها الروح التي تسعى للبقاء وحيدة متحولةً لروح الحرب والقوة. وعندما عرف العالمُ اليابانيين، فإنما في حروبهم الدائمة بينهم أولا في أرخبيلهم، ثم توحدهم الأعظم في إمبراطورية "ألميجي"، وصارت الصفة اليابانية الأولى هي الغزو العسكري والاحتلال العنيف وإذلال كل ما هو غير ياباني لما هو ياباني.. وعندما خضع الإمبراطورُ "هيروهيتو" آخر سلسلة ألميجي أبناء الآلهة (آلهة طورها اليابانيون بمعزل عن كل دين عالمي) لِـ "ماك آرثر" شمشون الباسفيك كما سمته الآلة الدعائية الأمريكية في الحرب الكونية الثانية، سقطت روحُ المحارب، ولم تسقط روح المنافسة، يعني سقط التكتيك ولم تسقط الإستراتيجية. بعد عقودٍ نهضت اليابان وغزت العالم ليس صناعيا، بل تجاريا عن طريق الصناعة، وهما المخبأ الدقيق الجديد للخطة اليابانية في تمجيد الأمة اليابانية، ولم نعرف عن اليابان إلا منافسة شرسة، بدأت بالتجسس والتقليد وسرق الأفكار، ثم انتهت باحتكارها الابتكاري (لم تفصح اليابان مثلا عن إبداع الهندسة اليابانية في التكييف الداخلي للسيارات والذي كان معضلة للصناعة الأوروبية والأمريكية، إلا بعد أن احتكرت التقنية ووقعت الاتفاقات بالمشاركة في التصنيع وجني الأرباح).. ثم نظرت للعالم كسوق يُلـْتـَهـَم وليس كدول تتعاون للبقاء، ولم نر اليابان ولا اليابانيين في حلقات التعاون والتطوع العالميّيْن.

الآن جاءت مصيبة قدرها الله على أمّة اليابان، مصيبة أذهلت المدارَ الكوني للأرض، وزاغت اليابان عشرات الأمتار عن موقعها من الأزل.. ونقص اليوم الأرضي أجزاءً من أجزاء الثانية.. وانفطر مع الأرض قلب العالم على اليابانيين، صحيح أن اليابانيين فجّروا صفة أخرى للصبر والنظام وهمّة أسطورية لإعادة البناء، إلا أنهم احتاجوا إلى العالم، والعالم يحتاج إليهم. ولذا ذكر الصحفي الياباني الكبير، كلمة تبرع (Donation) أكثر من مرة، منها ما قاله عن تبرع "أرامكو" بعشرين مليون دولار من النفط، وتبرع دول مثل تركيا.. وهذا ليس سقوطا للكبرياء الياباني، بل استعادة للتوازن الطبيعي الإنساني والأممي لحتمية التعاون.. لا التنافس.

من أوجه التعاون الجميل، وجود السفير السعودي باليابان "عبد العزيز بن عبد الستار تركستاني" مع الوفد الصحفي الياباني تأكيداً لواقع التعاون السعودي ـــ الياباني.. ولعل اليابان تتلبس روحا جديدة، هي روح التعاون الإنساني الأممي.

إن نظرية التعاون لم ننسها في الخليج فوضعناها في اسم مجلسنا الخليجي. والتعاون ليس بين الدول بل بين الوزراء، وبين الوزراء والناس، وبين الناس والناس..

ربما هذا المفقود الموجود!