هل كلنا أشرار بالطبيعة؟

سنة النشر : 19/11/2011 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. كان "توماس هوبز Thomas Hobbes" واحداً من عظماء المفكرين الإنجليز في الفكر السياسي، وربما كان أكثرهم في الفخامة التحليلية في الرؤية الفلسفية التي أثرت في سياسيي وقادة بريطانيا وأوروبا بشكل عام.

ربما قليل من يعلم أن "هوبز" أيضاً مولعٌ بتمرينات اللياقة البدنية، فكان يخرج في الريف ويمشي مسافات طويلة يعتلي التلال لأن رئتيه تهمّانه، فكان يخترع تمارين للتنفس، ويقول: "كلما قويت الرئة قوي الذهن واحتد الذكاء ونشطت الذاكرة". وكانت عنده عصا خاصة بها محبرة وريشة يكتب بها بالحال الأفكارَ الآتية كما كان يقول "من هواء التلال".

كان رغم جهامة ووحشة أفكاره وعمق تحليلاته رجلا ظريفا جدا، سريع النكتة يحيي الناس بالطريق وربما رقص معهم على موسيقى إيقاعية من صوته وصفيره، وكان لافتا بطوله وشدة الاحمرار بخدّيه حتى إن عجوزاً تبيع الدجاج قرصتهما قائلة: "إنهما خوختان تتفتقان دماً". وكان شاربه منسقا فوق شفاهٍ رقيقة وتحت أنف قاعدي، ولحية تطير بالهواء على شكل هرم صغير مقلوب. كان يأكل الكثير من السمك حتى سماه صحبه بالحوت، ولا يتناول المشروبات الروحية إلا نادراً. وكان يغني وهو يستحم، ثم يصرخ طرباً مهنئا نفسه بجمال صوته وينادي: يا ملائكة العزف غني لي ومعي..

هذا الرجل المرح اللطيف العميق الذكاء كان صنواً فكريا للشرير الصريح "مكيافيللي"، على أن للإنجليز طلاءً أسلوبياً وحضارياً يغطي الحديدَ بقفازٍ من مخملٍ كشميري، عكس الطليان ذوي الدم الحار. فقد كان "هوبز" يرى أن الإنسان دونيّاً شريراً بطبعه الأصلي ودون أي استثناءات، أي أننا كلنا أشرارٌ مع وقف التنفيذ، وإذا نفذنا الشرَّ فهو أمرٌ متوقع. ويجادل بأننا لو أننا نحسن الظن بالناس ونعتقد بأمانتهم لما اخترعنا الأقفالَ لبيوتنا، ولما أحكمنا رتاج بواباتنا حتى لا يسرقها الناس، يعني أن صفة لصّ تنطبق على الزمان وليس على الموضوع، بمعنى أنها ظرفية، بمعنى أننا كلنا لو رأينا صندوقاً مفتوحاً وغير محروس وفيه مال لامتدت أيادينا بالحال ودسسناه وهربنا.. ويقول "هوبز" هذا طبيعي، لأن الإنسان دوني شرير بطبعه.

لم يقول "هوبز" ذلك؟ طيب، هنا يختلف اختلافاً رئيساً مع مكيافيللي الذي ركز فلسفته الذرائعية للاستيلاء على ثروات أمم أخرى، بينما "هوبز" ركز على سلبية الطبع الإنساني ليصل إلى نتيجة بحتمية أن القانون الوحيد الذي يجلو السطحَ الخشن لطباعنا ويجعلنا نظهر بأناقة ولياقة حضارية، كلما قوي القانون هربتْ وغارت الطباعُ الغريزية الأنانية بأنفسنا، لتظهر آليةٌ أخرى هي آلية الحماية الغريزية، لا حباً في النظام والخير العام، بل هيبة وخوفاً من قوة عقاب القانون.

بالنسبة لي، لا يروق لي هذا المنطق إلا بالنتيجة، فالبشر تختلف طباعهم وحتى الأشرار منا يتفاوتون بطيف من شرير طيب إلى شرير كامل الشر. وأتفق معه بأن القانون القوي العادل هو الرادع لأن البشر مهما اختلفت طباعهم إنما هم يهابون القانون القوي الرادع بصفة جمعية.

ولذا يقول هوبز إن المجتمعَ عندما يتفكك ويعيش الفرد منا بما سماه "الحالة الطبيعية" أوState of Nature مُسَرّحا بلا أنظمة ولا قوانين ولا سلطة قوية حكيمة ومدبرة، فإن كل فرد سيتساوى مع جميع الأفراد بأنه سيعمد للسرقة وارتكاب الجنح وممارسة الإجرام وحتى القتل في سبيل بقائه، أو ريّ أرض نفسه الجافة الجشعة. بل إنه يقول إنها ستكون واجبة كوسيلة للعيش والبقاء يوما بعد يوم. إن مجتمعاً بلا نظام سيكون مآله قطعاً الفقر والتأخر وضياع كل مظاهره الحضارية.

نفرح بالربيع العربي، وأتذكر فلسفة هوبز وأرتاع، وأنا أرى وأسمع وأقرأ بالأخبار المنشورة ببعض دول الربيع العربي ضاع بها الأمن وانتشرت البلطجة، وصار الإجرام وقعاً ورتماً يومياً، وصعبت إدارة الجموع، فظهرت قوة التكتلات.

ولكني على نقيض "هوبز" أرى الإنسانَ عنصراً سامياً، وسيتفوق على فوضاه في النهاية كما فعل في مآزق التاريخ السابقة، وسيسمو ويحلق من جديد بسماء حريته وكرامته. ولن يكون ذلك ممكناً دون أرض راسخة للإقلاع بقوة والهبوط بأمان.. وهي أرض النظام وهيبة القانون.