شوكة ٌصغيرة .. ألمٌ كبير
سنة النشر : 01/05/2009
الصحيفة : الاقتصادية
من الباعث على الحزن أن يبدأ موسم هذا الحج بسقوط فندق على نزلائه. في هذا الموسم الحساس تكون كل أعصاب الأمة قد تجمعت وتركزت وتيقظت في مكان واحد. ليس الأمة وحدها، بل كل العالم .
ليس فقط العالم الإسلامي، ولكن العالم بأسره! في هذا الموسم تتحرك قطع هائلة من البشر وتتجمع وتتصرف بتماثل واحد في وقت واحد بمكان واحد. نتكلم عن ثلاثة ملايين من الأنفس، على الأقل، في إشعاع مساحة مدينة .. أكبر إدارة لوجستية على الأرض. ولقد بدأ هذا الموسم - ونحن ندور على أعصابنا - لنستقبل كارثة، وأي روح تزهق على أرض هي كارثة بذاتها. ثم تجد أنه رغم ما قلناه عن الحشد اللوجستي الهائل، وتركز كل مقدرات الأمة العصبية والحركية في هذا الموسم في مكة، لا يكفي. المفاجآت تأتي من أكثر الأماكن التي لا تتوقعها، أو التي لا تصل إليها خطة الحشد العام المؤقت.
هذا يعطينا درسا باهظ َالتكلفة جدا، بأن الحشد المؤقت مهما كان هائلا، ومكلفا، ومجهدا، ومدروسا.. لا يكفي. هناك أمر مهم. أما ذلك الأمر فهو الخطة العامة الدائمة للتوعية، مكة تصير في تجمع الحج من أكثر أماكن العالم عرضة للحوادث المأساوية، ولولا الجهد المحمود الرسمي لكانت الكوارث سمة متكررة في المواسم. ولكن كل هذه الخطط المؤقتة هي اقتراض مؤقت من الزمن. الزمن لا يعترف بالدفاعات والتكتيكات المؤقتة، من طبيعته أن يكون ممتدا.. مخاتلا.. يأخذ دوره في الأخذ من عافية الأشياء وهو يطوي المواسم. وهنا الشيء الذي تتنبه له الأمم المتقدمة، ولا نتنبه له نحن.. مع الزمن الدائم لا ينفع إلا الخطط الشاملة الدائمة.
وقوع مبنى على الحجاج يفضح تجاهلنا لآلية ومنطقية العمل الزمني. عندما سقط المبنى على الحجاج فضح تركيزنا على الخطة الموسمية المؤقتة، وقلة اعتنائنا بالخطة الدائمة. ذاك المبني وقع لأنه تنقصه الصيانة الدورية، والكشف الدوري على صلاحية ومتانة هندسة وقوة البناء.. وعلى فقر الوعي الشعبي بين الملاك ( الذين هم بالطبع خارج جغرافية أي خطة موسمية مؤقتة، حتى إن وقعت، فلن تثمر) في فهم منطق الصلاحية والصيانة، وفهم منطق عملي أن هذا من صالحهم، قبل أن يكون من صالح الحكومة، أو من صالح الحجاج حين يستمر البناءُ صالحا لعمر أطول، ليكون ريعه أيضا متواصلا مستمرا، وحتى يتجنبون ويلات وخسائر المصائب التي تقع من التفريط الفاجع في عمليات الصيانة والترميم والفحص المتوالي. أعظم الخسائر للأسف العميق ليست قابلة للتعويض..
من يعوض قيمة الحياة؟! ومن يرمم سمعة مكان تـُختـَصَرُ فيه فجأة الحياة؟! وبما أنه من الرشد والحصافة أن نستفيد من الدرس الباهظ، وإلا فإن الثمن سندفعه دما وسمعة وحزنا وقلقا بلا جدوى. فعليه، نتمنى أن يكون بحجم سعة الهول والصدمة أن يُبدأ الآن، من دقيقة ما صار في مكة، أن تـُعَد دوائرُ الخبرة من كل القطاعات لإنجاز خطة مستديمة لرفع الوعي العام في صيانة المباني والتجهيزات الأساسية ومرافق الخدمات في أنحاء مكة والمدينة.. أي دقيقة تضيع تبشر باحتمالات كارثة، نقول ذلك مخلصين وخائفين على أمتنا، وعلى الجهود والمبالغ الخرافية التي تصرف وتبذل.. وخوفا على كل قلب يخفق بالحياة يأتينا آمنا شفاف الروح، راجيا أن يعود أمنا شفاف الروح.
نتمنى أن تخرج الدوائر الخبيرة بخطة دائمة وعامة في نشر الوعي والبرامج والإجراءات التي تكفل صلاحية وقدرة المرافق الخاصة قبل العامة، وأن يعرف كل مواطن أو شركة يملك عقارا أو مرفقا للخدمة أنه مسؤول مباشرة أمام الله أولا ثم أمام الأمة وأمام القانون، بأن الخلل في التطبيق هو شيء يقارب الخيانة العظمى.. لا مزاح في ذلك البتة! وأنظر إلى حرجنا، وحزننا، وسمعتنا التي طارت في العالم من أول يوم لأن مبنى عتيقا انهار على رؤوس ساكنيه. ماذا سيقولون عنا؟ بنيان متهالك في أقدس مدينة في الدنيا، في أكثر الدول قدرة في المال والوعي والعلم في المنطقة. شوكة صغيرة جدا، تفجر هذا البالون الضخم المكلف المجهد الذي تضافرت كل الجهود لإبقائه ثابتا متماسكا إلى نهاية الموسم.. شوكة صغيرة كانت كافية لأن تفسد مزاج عمل الحج لهذا العام.. وقدِّر، كم آلاف من الشوكات الصغيرة تتناثر في المدينة المقدسة؟ هذه الشـُوَك هي هذه البنايات والخانات والفنادق العتيقة التي نسيت أن في العالم شيء اسمه الصيانة، لأنها لا تستطيع حك رأسها في استقبال الوافدين وفي قفل إقامة المغادرين.. سيل متتابع ثم ينسى الجميع السدود والجسور.. العجب ألا يكون الغرق! شوكة صغيرة كانت كافية لتؤذينا.. آذت كل الجهد الخارق المبذول، شوكة صغيرة وراحت أرواح غالية. شوكة صغيرة قدمتنا للعالم كأمة تجهل الصيانة، والجدية، وتفـَهُّم معنى القداسة والعبادة. أظهرتنا جشعين لا نعرف إلا خَرْفَ المال في الموسم.. هذا غير صحيح؟
قل لي: كيف نثبت غير ذلك؟!
مهمتنا: نزع كل الشوكات الصغيرة.. والكبيرة! الآن!